الجزائر والتدخل في شؤون المملكة المغربية

09.10.2014 بقلم: محمد خليفة*  21582   قراءة 0   تعليق

أكثر ما يؤلم هو أن تأتي الطعنة من أقرب الناس إليك، من حيث تعتقد أنهم الأهل والعشير والعزوة والنصير، لكن في عالم المصالح المتناقضة تتبدل المبادئ وتنتهي القيم ويصبح الأخ عدواً والصاحب غريباً.

وللأسف فقد ابتليت هذه الأمة بالكثير من أصحاب المصالح الذين ينظرون نظرة ضيقة ويسعون إلى تغليب مصالحهم ولو أدى ذلك إلى فناء غيرهم. وهذا ينطبق على الموقف غير المفهوم الذي اتخذته جمهورية الجزائر من المملكة المغربية بخصوص قضية الصحراء المغربية، فقد رعت وتبنت عصابة "البوليساريو" التي انشقت عن الشعب المغربي وادعت أنها صاحبة حق.

ورغم ثبوت حق المغرب في أرضه، فإن الجزائر ما تزال تناور وتستغل المنابر الدولية لتشويه صورة الحكومة المغربية وكان آخر هذه الأفعال، قيام مندوب الجزائر بتلاوة بيان أمام مجلس حقوق الإنسان الدولية، اتهم فيه المغرب "بانتهاك حقوق الإنسان في أقاليمه الجنوبية".

ومن دون شك، فإن هذا البيان ينسجم مع السياسة التي درجت عليها الجزائر ضد المغرب منذ عام 1975، والتي تقوم على مبدأ العداء للجار والشقيق، في سبيل تحقيق أجندة ضيقة وغايات أنانية، وكان يجدر بهذه الدولة الجارة أن تقف إلى جانب الدولة المغربية، وأن تدعمها في نضالها لاستعادة صحرائها الجنوبية لا أن تعمل على إيجاد العراقيل وخلق الصعوبات التي تحول دون عودة الحق إلى أهله. ومنذ أن قررت إسبانيا الجلاء عن الصحراء عام 1975 بعد استعمار طويل لها دام أكثر من مائة عام، أرادت هذه الدولة المستعمرة أن تزرع الفتنة، فأنشات ما يسمى "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" المعروفة باللغة الإسبانية باسم "البوليساريو" عام 1973.

ومنذ إنشائها اتخذت من الجزائر منطلقاً لعملياتها في الصحراء، وكانت تدعي في البداية أنها تهاجم القوات الإسبانية، ولم يكن ذلك سوى مسرحية صنعتها بالتعاون مع الحكومة الإسبانية لإظهار نفسها بأنها صاحبة حق في الصحراء، وعندما شعر المغرب بدنو الجلاء الأسباني عن الصحراء قام الملك الراحل الحسن الثاني، بتنظيم المسيرة الخضراء في شهر نونبر عام 1975 لحمل إسبانيا على تسليمها إقليم الصحراء المتنازع عليه، وسار مئات الآلاف من الشعب المغربي في تلك المسيرة واستقبلهم إخوانهم في العيون بقلوب ملؤها الحب والود، لكن الاستعمار الإسباني كان رتب خروجه من الصحراء بشكل مختلف، حيث قام منذ شهر أكتوبر من ذلك العام بإجراء مفاوضات مع قادة حركة التمرد للنزول عن السلطة في مدينة العيون وفي الجزائر العاصمة، في اجتماع ضم وزير الخارجية الإسباني بيدرو كورتينا إي موري، والوالي مصطفى السيد، رئيس ما يسمى "جبهة البوليساريو" آنذاك وطالبت الحكومة المغربية بأحقيتها في الصحراء، فأحالت القضية على محكمة العدل الدولية للبت فيها.

وأقرت محكمة العدل الدولية بوجود روابط تاريخية وقانونية تشهد بولاء عدد من القبائل الصحراوية لسلطان المغرب، وكذلك بعض الروابط التي تتضمن بعض الحقوق المتعلقة بالأرض الواقعة بين موريتانيا والقبائل الصحراوية الأخرى. وفي تلك الأثناء ظلت الجزائر تدعم النشاط الإرهابي للبوليساريو بهدف إيجاد دولة مستقلة عن المغرب تكون مرتبطة بها وتابعة لها وبما يمكنها من وضع اليد على الثروات الباطنية الموجودة في تلك الأرض، وأيضاً الوصول إلى مياه المحيط الأطلسي والاستفادة من حركة التجارة الدولية عبر هذا المحيط.

وتصرفت الدولة المغربية بحكمة بالغة في ملف الصحراء، فلم تقف في وجه المجتمع الدولي، بل قررت المواجهة وإثبات حقها من خلال القنوات نفسها التي يجتهد خصومها بها لإثبات حقوقهم المزعومة في الصحراء، فرحبت بالبعثة الأممية (مينورسو)، التي أوجدها مجلس الأمن بقراره رقم 690 في أبريل 1991، والتي تم تحديد مهمتها في تنظيم استفتاء في منطقة الصحراء "المتنازع عليها" لتقرير مصير سكانها ومراقبة تحركات القوات الموجودة هناك من الجيش المغربي وقوات البوليساريو، وفي عام 2013 حاولت الجزائر وصنيعتها البوليساريو، إثارة قضية تتعلق بما يسمى "انتهاك المغرب لحقوق الشعب الصحراوي"، ودعا الطرفان المجتمع الدولي لإرسال بعثة لمراقبة تصرفات الجيش والأمن المغربي في منطقة الصحراء.

لكن ولأن هذا الطلب كان كيدياً ويخالف الواقع، فقد التزمت الدول المؤثرة بحالة الهدوء تجاه المغرب لعلمها بأن الحكومة المغربية تلتزم بتعهداتها تجاه شعبها في كل مكان من الأرض المغربية ومنها الصحراء الجنوبية. ولهذا فقد تبنى مجلس الأمن الدولي في 29 أبريل 2014 قرارا ًيمدد بعثة مينورسو ويدعو إلى "تعزيز" حقوق الإنسان في الصحراء المتنازع عليها، دون تحديد آليات لذلك، كما حث على مواصلة التفاوض "من دون شروط مسبقة وبحسن نية"، وحث جميع الأطراف على احترام حقوق الإنسان لكنه لم يطلب من المنظمة الدولية مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما كانت تطالب الجزائر والبوليساريو. وأشاد القرار الأممي "بالإجراءات الأخيرة والمبادرات التي اتخذها المغرب لصالح حقوق الإنسان".

وكانت الحكومة المغربية أعلنت سلسلة من الإجراءات من أجل تعزيز فعالية المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كما دعت مبعوثين أمميين لحقوق الإنسان لزيارتها. لكن الجزائر ما تزال تصرّ على إثارة المشاكل في وجه المغرب، لكي لا تخسر قضية الصحراء التي أنفقت عليها 250 مليار دولار، كما قال القائم بالأعمال بسفارة المغرب بجنيف حسن البوكيلي، ومن دون شك، فإن الشعب الجزائري كان أحق بهذا المال الذي ذهب هدراً وفي سبيل تحقيق غايات وطموحات غير واقعية.

*كاتب من الإمارات
[email protected]

إقرأ أيضا

follow-us

المغربية على الفايسبوك