الملك محمد السادس والدعوة إلى مصالحات عربية

20.12.2014 بقلم: محمد خليفة*  14044   قراءة 0   تعليق

عصفت بالأمة العربية في السنوات السابقة أحداث جسام زرعت الشقاق بين أبنائها وفرّقت كلمتها، وهذه الأحداث التي سميت زوراً وبهتاناً "ربيعاً عربياً" لم تكن- في حقيقة الأمر- سوى فوضى عارمة دأب مخططوها على تعميمها على كامل المنطقة العربية تحت عناوين كاذبة من الحرية والديمقراطية.

med _khalifa.jpg

لكن إرادة الله تعالى وحكمة القيادات العربية في بعض الدول، ومنها المملكة المغربية، قد حالتا دون وصول اللهيب إلى أراضيها، فمضت تلك العاصفة الهوجاء وانتهت، لكن عقابيلها ما تزال موجودة وعلى رأسها الخلافات التي نشبت بين الدول العربية، حيث انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين بعضها بسبب سوء الفهم، وألقت دول عربية تهماً على دول عربية أخرى بتأجيج الفتن والقلاقل فيها.

وقد أصبحت المصالحات العربية حاجة ملحة بعد أن تعطلت جامعة الدول العربية وتوقفت المعاهدات والاتفاقيات العربية البينية أو تم تحجيمها.

وقد كان للمملكة العلوية المغربية دور رائد في جمع شمل الأمة وتوحيد كلمتها، انطلاقاً من الأفكار القومية والإسلامية التي حملتها الأسرة العلوية عبر تاريخها الطويل في بلاد المغرب. فكانت تنادي بالتضامن العربي بشكل مستمر، وعندما تعرض المسجد الأقصى لإحراق متعمد من قبل حفنة من الصهاينة، كان الملك الراحل الحسن الثاني أول المبادرين لاتخاذ موقف عربي وإسلامي واحد لحماية المقدسات في فلسطين، فتم تشكيل لجنة القدس عام 1975 وأصبح الملك الراحل رئيساً لها.

وعندما جلس الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين عام 1999 سار على نهج والده الراحل، وكان دأبه الدفاع عن المصالح العربية وتحصين الأمة بشتى الوسائل والحفاظ على أواصر الأخوة التي تجمع بينها، ومن هذا المنطلق فقد آلم جلالته أن يرى الأمة وقد تفرقت أيدي سبا وتجرأ عدوها الصهيوني عليها وجاهر بمساعيه لهدم المسجد الأقصى وابتلاع كل فلسطين، ولذلك دعا جلالته، في رسالة وجهها إلى مؤتمر الفكر العربي 13 المنعقد في الصخيرات، جنوب الرباط، تلاها مستشاره عبد اللطيف المانوني، إلى مقاربة جديدة للتكامل العربي، باعتباره ضرورة حيوية واستراتيجية للعالم العربي.

وقال العاهل المغربي إن التكامل العربي لم يعد خياراً للنهوض بالتنمية فقط، بل أصبح حتمية ترتبط بالبقاء أمام سطوة التكتلات القوية، فإما أن نكون متحدين، وإما أننا لن نكون، أو سنبقى مجرد كيانات لا وزن لها على الساحة الدولية.

وقال جلالته إن الدول العربية اليوم في مفترق الطرق، بل هناك تحديات تنموية وأمنية وتطلعات شعبية ملحة إلى المزيد من الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، ولا سبيل للاستجابة لها إلا عبر التكامل والوحدة والاندماج، وأشار إلى أن ما يجمع الدول العربية أكثر مما يفرقها، فهي موحدة بقوة التاريخ والحضارة وهي متواصلة جغرافيا ومنسجمة إنسانيا ومتكاملة طبيعيا، بفضل ما تزخر به من موارد بشرية طبيعية هائلة، أما الشعوب العربية فتجمعها وحدة العقيدة واللغة والثقافة وروابط الدم والأخوة والمصير المشترك.

وأضاف الملك محمد السادس، أنه قد آن الأوان للانكباب على كيفية إعادة اللحمة للوطن العربي وتوحيد الكلمة بنية صادقة وإرادة قوية لرفع التحديات الحقيقية لشعوبه، من منظور شامل ومتعدد الأبعاد.

ولن يتأتى ذلك إلا بإجراء مصالحات عربية بينية وتجاوز أسباب الفرقة والتجزئة وتوحيد المواقف وتعزيز العمل العربي المشترك في نطاق احترام سيادة الدول ووحدتها الوطنية والترابية كما ينبغي العمل على إصلاح جامعة الدول العربية باعتبارها بيتنا المشترك والإطار المناسب لمعالجة القضايا العربية ووضع مخططاتنا التنموية والوحدوية.

وأشار صاحب الجلالة إلى أهمية البعد الاقتصادي في التكامل العربي، باعتباره الأساس في قيام تكتل عربي وازن في محيطه الإقليمي والعالمي. وأوضح أن تحقيق التكامل العربي المنشود، يقتضي العمل على استثمار التكامل الاقتصادي بين الدول العربية والتوجه نحو تحقيق اندماج اقتصادي حقيقي يقوم على تشجيع الاستثمارات المتبادلة، في أفق إحداث سوق عربية مشتركة، مع مراعاة فضائل التضامن وبما يعود بالنفع على كل الشعوب العربية.

إن هذه الدعوة الكريمة من جلالة الملك محمد السادس للتضامن بين الدول العربية وتجاوز أسباب التفرقة، تلامس وجدان كل عربي شريف يدرك أن مستقبل هذه الأمة هو بتلاحم أبنائها وتعاضدهم، وبنبذ التفرقة المذهبية والعرقية والمناطقية.

إن الأخذ بأسباب العلم وتقليد الأمم المتقدمة هو الطريق الوحيد الذي سيوصل الأمة إلى مستقبل زاهر، أما الانغلاق والعودة إلى الماضي وفق مفاهيم دينية إسلامية، فإن ذلك سيقضي على هذه الأمة.

ونحن نشاهد في بعض مناطق العالم العربي والإسلامي آثار تلك الفئات الضالة التي دفنت رؤوسها في التاريخ وباتت منقطعة عن الحاضر، فقد أصبح الإرهاب دينها وسبيلها لفرض أفكارها الغيبية الرامية إلى تحطيم مكتسبات هذه الأمة.

إن الساعة أزفت لعودة التضامن العربي ولعودة العلاقات بين الدول العربية إلى سابق عهدها، ولن يدخر جلالة الملك محمد السادس والحكومة المغربية أية جهود في سبيل تقريب وجهات النظر بين الحكومات العربية المتباينة، وعن قريب سنشهد حراكاً ساخناً يطرق أصقاع العلاقات العربية المتجمدة وبما يحقق رغبة المملكة المغربية في تحقيق التضامن العربي على أوسع نطاق.

*كاتب من الإمارات

[email protected]

إقرأ أيضا

follow-us

المغربية على الفايسبوك