"أغلب شقق الكراء ليست إلا وكرا للفساد" تقول فضيلة، البالغة من العمر 60 سنة، تعمل كمستأجرة لبيوت داخل شقة من شقق دوار السخينات..
أو القرية الصغيرة التي تحدها شرقا مدينة صفرو، وغربا مدينة فاس، وشمالا مولاي يعقوب وجنوبا عين بيضة.
بقعة جغرافية لاتتعدى مساحتها 53 هكتارا أصبحت أشهر من نار على علم، معروفة باسم السخينات، هذا المدشر الذي عرف بكراء الشقق ربما لممارسة الفساد وأشياء أخرى.
استئجار الشقق من طرف بعض الزبائن أصبح يحقق دخلا مهما بالنسبة للمستأجرات أو النساء اللواتي يشتغلن كتاجرات لحصة داخل البيت، تتراوح بين يوم إلى 15 يوما، الشيء الذي يثير إزعاج بعض السكان ممن لايحبذون استغلال بيوتهن لمثل هذه الأغراض التي تجلب لهم الصورة السيئة.
في صبيحة كل يوم تستيقظ فضيلة، واضعة فوق رأسها قبعة صفراء سرقت منها حرارة الشمس ألوانها الطبيعية، تخفي بها شعرها الذي اعتلاه الشيب، فهي تعلم جيدا أنها فقدت كل الفرص في كسب قوت يومها بشرف وأمانة.
تتحرك فضيلة ذهابا وإيابا في محطة سيارات الأجرة الكبيرة، والموجودة في قلب الدوار، حيث تتجمع زميلاتها، مشكلات تجمعات صغيرة، أو موزعات على أطراف المحطة، كل واحدة بوزرتها وقبعتها وقطعة "كارطون" تستعين بها من حين لآخر في انتظار قدوم زبون يمكن أن يأتي أو لا يأتي.
هنا تبدأ "الصيادة" حين تتوقف سيارات الأجرة مستقطبة زبائن قادمين من جل المدن، وتبدأ النسوة المستأجرات بمناداة الزوار الوافدين بعبارات مؤلوفة لديهن كـ "آمحال لكرا…محال…محال". وضمن أفواج وأفواج من الزوار، يفد على الدوار شباب يأتون في الغالب على شكل مجموعات.
فضيلة، المرأة العجوز ذات الوجه المتجعد، الذي نال منه الزمن، نادرا ما تحضى بفرصة زبائن في مستوى راق ماديا، إذ أن معظم زبائنها، أناس حملتهم الأقدار إلى دوار السخينات للتنفع من بركة الماء الصحي المعدني الذي تمتاز به هذه القرية.
تقول فضيلة "الزبائن لا يعيرونني انتباها لأنني عجوز غير قادرة ولا معتادة على وضع مساحيق التجميل"، كلام العجوز، الذي تخللته نبرة الحزن، يجعلك تدرك أن لقمة العيش في عمل كراء الشقق تكلف أحيانا الشرف أكثر منها المتعة.
تتوفر قرية السخينات على 132 شقة للكراء، حسب إحصائيات 2004، وعدد سكان هذا الدوار يقاربون 5132 نسمة مقسمة على 982 عائلة، وأغلب هذه الشقق توظف في الكراء، بهذا يشكل هذا العمل نسبة مهمة من الدخل اليومي للعائلات بدوار السخينات. سعيد 35 سنة سائق سيارة أجرة كبيرة يقول، "بفضل الزوار الذين يقبلون على الدوار نعيش ونلبي رغبات عائلاتنا المادية وكل مستلزمات الحياة ".
حلاوة المال و مرارة الزمن مفهومان متناقضان يتعايشان في الحقيقة نفسها، إنها التجارة بأجساد مقابل أثمنة قد تكون بخسة، لكنها تشكل مورد عيش للمستأجرات وبصمة حياة اعتاد عليها سكان دوار السخينات، أغلب النساء اللواتي يشتغلن كمستأجرات للشقق بالدوار يتحدرن من مناطق وضواحي مدينة فاس، ومنهن من جالت بها الأقدار عدة مدن لتحط الرحال بهذا الدوار، كما هو الحال بالنسبة لزهور القادمة من الخميسات، التي تشتغل كمكترية لإحدى الشقق بالدوار تعترف وبشكل صريح، أنها تكون أحيانا مضطرة لأن تلبي رغبة بعض الزبائن لتحصل على ثمن باهض يعوضها الأيام التي تقل فيها نسبة الإقبال على الدوار، خاصة في مناسبات كالأعياد و رمضان.
بين أزقتها الواسعة وتحت السكون الذي تتميز به قرية السخينات تلفت انتباهك عبارة "بيوت عائلية للكراء" على واجهة كل منزل، وفي باب كل شقة من الشقق المخصصة للكراء امرأة واقفة تنتظر حلول أحد الزائرين، منهم من يأتي رفقة عائلته لقضاء بضعة أيام والاستمتاع بالهدوء و الطبيعة، و منهم من هو آت لتفريغ مكبوتاته التي قيدتها ضوضاء المدن الكبرى، نساء حفرت دواليب الزمن خدودا على وجوههن، والمتميزة منهن من أحسنت ارتداء لباس يفصل أطرافها لشراء رغبة الزبون قبل اكتراء البيت.
إن الوجه المخجل لهذه القرية النائية والمعزولة لا يخفي بعض محاسنها، فدوار السخينات ينعم بخيرات طبيعية تضفي جمالا خاصا للطبيعة، ناهيك عن الثروة المائية التي تنبثق من منابع: كالعيون (العين الباردة و العين المحرومة) بالإضافة إلى الوديان (واد سبو وواد عين عروس). وللإشارة فشقق الكراء بالدوار تشكل 80 في المائة من مداخيل السكان بهذه المنطقة المعزولة.
وبعبارات ملحة تصر فضيلة على صدقها في مهنتها كمكترية شقق، واحترامها لنفسها كامرأة كبيرة في السن، تضيف فضيلة "أنا امرأة فقيرة أسكن في هذا البيت الضيق وحيدة لا أبناء لي ولا زوج، والحمد لله على كل حال" ، بنبرة حزينة تردف فضيلة وهي بصدد وجبة عشائها، طماطم بمقلاة صغيرة وقد كسرت فوقها بيضتين، لتحكي لنا عن معاناتها داخل بيتها الضيق، الذي يحوي سريرا ورفة أواني، انهالت على وجنتيها دمعتان طردت بهما شهادتها الأخيرة قائلة: "كثر "الخواض" في الدوار أغلب و أغلب الزوار من المتعطشين لبيوت الأجساد العارية".