تحول التسول في غياب تدابير إجرائية ردعية لمواجهته، لينتج ظواهر إجرامية خطيرة، من صناعته للنصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل، ووضع ذلك المواطن العادي أمام عدة استفهامات، حول من يستحق "الصدقة" ومن لا يستحقها؟
وكل منا، بلا شك يحتفظ في مخيلته بصور مؤثرة لمسافر "تقطع به الحبل"، لا يجد ثمن تذكرة سفر للعودة إلى بلده، ومنكوب انتشلت محفظته، ومشاهد لمن يتصنع البلاهة والجنون، ومن يقوم بـ"تجبيص" يده أو رجله، أو يضع ضمادات مليئة بـ"الدواء الأحمر" على أحد أعضاء جسمه، وما إلى ذلك من حالات يصعب التأكد من صدق أو بطلان ادعاءاتها.
نحاول من خلال هذه الورقة مقاربة هذه الظاهرة مع شرائح مختلفة من المجتمع المغربي، وكيف تنظر إلى التسول في خضم ما يقرأ ويتداول من أن الكثير من المتسولين، يستعملون هذه اللمسة الإحسانية، كمهنة لكسب موارد مالية مهمة، رفعت بعضهم إلى درجة الثراء.
رغم أن النية هي القيمة المعنوية للصدقة، يكون أخطر ما في الظاهرة، استخدام بعض المتسولين المحترفين للأطفال كأداة طيعة لتحقيق مآربهم واستدرار عطف الناس، وهكذا نصادف نساء من مختلف الأعمار يجلسن بالقرب من المستشفيات أو مداخل الأسواق أو المساجد والصيدليات، يضعن بين أحضانهن أطفالا رضعا، ويضعن على الأرض رضاعة حليب فارغة وبجانبها ماركة من حليب الأطفال، وكناش الحالة المدنية، دون أن ينطقن بكلمة.
منظر بالطبع يلين القلوب وربما يسيل الدموع، لكن الواقع المرير أن هؤلاء النسوة يكترين الأطفال الرضع بمبلغ يومي يتراوح بين 50 و 100 درهم حسب المناسبة، ويتاجرن بأطفال رضع لا تربطهن بهن سوى علاقة تجارة.
هناك عينة من المتسولين جردوا ظاهرة التسول من معناها الإنساني، إلى حد أصبح من الصعب التمييز بين من هو المتسول المحتاج والمتسول النصاب، ويتجلى ذلك في تفشي ظاهرة التسول، داخل الحافلات .
إن ما يقع في داخل الحافلات خصوصا المتوجهة إلى سيدي مومن والبرنوصي ليؤكد أن التسول أصبح نوعا من الابتزاز العلني، حيث تلتجئ فئة من الشباب المنحرف إلى استجداء الركاب، وفي حالة امتناعهم عن منح أحدهم الصدقة، يتحول بقدرة قادر من مسكين يستجدي الصدقة إلى وحش كاسر، يستعمل ألفاظا تهديدية من قبيل، "ما يليق ليكم عاللي يجبد شي جنوية ويكريسيكم، أما اللي كيكول ليكم عالله، ماكاين غير سير الله إيجيب".
أصبح التسول، مهنة قائمة الذات لدى الكثيرين، تستخدمون فيها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بهدف التأثير النفسي على المواطنين وجعلهم يسقطون في فخاخ ممتهني التسول، إلى درجة أن هناك حكايات وطرائف وأحاديث مسهبة عن حالات لمتسولين يحبكون مشاهد لمسرحيات درامية يشخصونها بإتقان. وهذه المشاهد تعرض يوميا في الحافلات، والطرقات والممرات، وفي المساجد، والمقاهي، ومحطات ركوب المسافرين.
هناك لوبيات حقيقية متحكمة في هذا السوق التي تبتز فيه الأحاسيس والعواطف، وتبتكر فيه أساليب عدة للوصول إلى جيوب المواطنين، وأعتقد أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها هي التي ساهمت في تفشي الظاهرة، وتحولها إلى عملية انتقام من المجتمع. ويمكن الجزم أن التسول بالنسبة لمستغلي هذه الحالات بمثابة نصب واحتيال على المواطنين .
الفقر والحاجة وانسداد منافذ توفير لقمة العيش وسد الرمق، أو تدبير غرض ملح لا يحتمل التأجيل، ظروف تضطر العديدين، إلى الاستجداء، في حدود ألا يستمر هذا الفعل ويصبح بمثابة القاعدة التي تكسر الاستثناء، إذ لن يكون بإمكان المتعود على استجداء الآخر تسخير جهده وعقله لتدبير الحاجة، بما يكفيه شر تحوله إلى عالة على نفسه، وعلى الغير.
لكن المحتاجين في الأصل، من الصعب أن يمدوا أيديهم إلى الغير، فالعديد منهم تحسبهم أغنياء من التعفف، لأنهم يجدون صعوبة في المتاجرة بوجوههم وحيائهم، فيما من لا يغالبه وجهه لا يجد مضاضة في ركوب هذه الحرفة دون أدنى وازع أخلاقي.
الجهات الوصية مطالبة بعدم غض الطرف عن هذه الجرائم العلانية وتكسير التجاهل الواضح، الذي لا يزيد الظاهرة إلا استفحالا في ابتزاز المواطنين بدافع الشفقة، كما يتعين على السلطات العمومية تطبيق القانون من جهة واتخاذ التدابير اللازمة من جهة أخرى، في محاولة لإعادة إدماج المتسولين في المجتمع، وتصحيح هذا السلوك المنبوذ، الذي يهدد المجتمع بالاتكالية والسلبية.
الضرورة تفرض كذلك، خلق شرطة متخصصة لمتابعة ومواجهة الظاهرة، ومواكبة تحركات المتسولين ميدانيا، حتى تقف سدا منيعا أمام العديد من ممتهني هذه الحرفة، الذين يستغلون الأطفال المتخلى عنهم، أو المخطوفين وذوي العاهات، عبر تدريبهم أو تخديرهم للرفع من مردودهم المالي.