سيدة الطرب المغربي تفتح قلبها لـ"المغربية" على امتداد شهر رمضان

الثلاثاء 17 غشت 2010 - 12:29

في حديثها ندرك طلائع محاولة رصينة لتقديم فن ينتمي إلى الجذور، ويستجيب لانتظارات الجمهور المغربي.مة

استطاعت مطربة المغرب الأولى، أن تؤسس تجربة فنية مغربية صرفة باختيار كتاب كلمات أغانيها وملحنيها، وأن تأسر بصوتها الشجي الممزوج ببحة دافئة، قلوب الملايين من معجبيها، من المغاربة والعرب، الذين انبهروا بأغانيها، التي تغنت، بالربيع وأزهاره، والبحر ورجاله، والمغرب وجماله وانتصاراته، وأدخلت البهجة على الجميع البحارة، والفلاحين، والجيران، كما تغنت بانكساراتها بآهات نابعة من قلبها الكبير، الذي اتسع للجميع، رغم جروحه العميقة، التي كانت بلسما لكل جراح الدنيا.

إنها نعيمة سميح، التي أصرت على اقتحام عالم الفن، في فترة كان يصعب على المرأة الاقتراب منه، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، متحدية تقاليد المجتمع المحافظ، الذي نشأت فيه.


بموهبتها وجمال صوتها الفطري استطاعت إيدت بياف المغرب، كما يحلو للوسط الفني مناداتها، أن تؤسس مدرسة غنائية مغربية أصيلة مستقلة عن الشرق، الذي قدم لها إغراءات كثيرة. واختارت بوعي وقناعة المكوث في بلدها المغرب، رافضة أن تصبح رقما ضمن قائمة الفنانات المهاجرات، اللواتي سلكن الطريق السهل عبر الغناء بلسان خليجي أو مصري.

عن مسيرتها الفنية، التي بدأتها في سن التاسعة، ودمغتها بصوتها النقي الأصيل، الذي لن يتكرر في تاريخ الغناء المغربي والعربي، تحكي لنا سيدة الطرب المغربي، التي ستحل ضيفة على قرائنا المتعطشين لمعرفة المزيد عن مسارها الفني الحافل بالعطاء، وتكشف لنا عن محطات مهمة من حياتها الفنية المثيرة.

رأت الفنانة المغربية، نعيمة سميح النور، سنة 1953 ببوشنتوف بدرب السلطان أحد أقدم أحياء مدينة الدارالبيضاء، عشقت الغناء وعمرها لم يتجاوز 9 سنوات.

ظهرت نعيمة سميح أول مرة في برنامج "خميس الحظ"، الذي كان يقدمه الإعلامي محمد البوعناني، في ستينيات القرن الماضي، إلا أنها برزت بشكل مثير في برنامج "مواهب"، الذي كان يعده ويقدمه الموسيقار المغربي عبد النبي الجيراري، وهو برنامج مسابقات تخرجت منه معظم مطربات جيلها من أمثال سميرة بنسعيد، وعزيزة جلال.

كانت رحلة السفر الفني، التي قطعتها نعيمة شاقة جدا ومتعبة، بحيث صنعت اسمها الفني بإصرارها على شق طريقها في درب الفن، في فترة كان من الصعب على المرأة أن تلج مجال الغناء.

ورغم انتمائها لعائلة تقليدية محافظة متحدرة من الجنوب المغربي استطاعت نعيمة أن تقنع عائلتها وتدخل ميدان الغناء بالفطرة، وبموهبتها وجمال صوتها الذي وهبه الله إياه دون تكوين موسيقي سابق، تقول نعيمة "لم تكن لدي مؤهلات علمية، أو تكوين موسيقي أكاديمي، غادرت المدرسة في سن مبكرة جدا، ولم يتعد مستواي الدراسي الشهادة الابتدائية، جلست في البيت فترة طويلة ندمت خلالها على الدراسة، رغم أنني كنت أستأنس بين الفينة والأخرى بالغناء وتجويد القرآن.." إلا أنني كنت خائفة من المستقبل، لذلك فاتجهت إلى الحلاقة والتجميل وحصلت على عدة شهادات في هذا المجال، وفتحت صالونا للحلاقة، لكن عشقي وولعي بالغناء كان أقوى مني.

تضيف نعيمة "كان في تلك الفترة برنامج تقدمه التلفزة المغربية اسمه "مواهب"، الذي كان يعده ويقدمه عبدالنبي الجيراري، وطلبت من أختي زهور، التي تكبرني أن تتوسط وتقنع والدي ليسمح لي بالمشاركة في البرنامج، لكنها لم تفلح في ذلك، خصوصا أن والدي كان متدينا وصعب الطباع، كما كان يتحدر من عائلة تنتمي إلى الجنوب المغربي".

في ذلك الوقت كانت الأغنية المغربية في حاجة إلى أصوات نسائية، إذ لم تكن في الساحة سوى فنانات لا يتعدين رؤوس الأصابع، لذلك ألح الجيراري على مشاركتها في برنامجه، رغم فشل زهور في إقناع والدها.

نعيمة سميح: أولى الخطوات نحو الشهرة كانت مع محمد بنعبد السلام

رغم اقتناع والدها بموهبتها في الغناء، خصوصا بعد تحقيقها نجاحا مدويا، نقلها من مجرد موهبة شابة إلى فنانة معروفة، ظل والدها حريصا على متابعة مسيرتها الفنية، خوفا عليها من الانزلاق بأداء أغان غير محتر

وكان يشترط دائما على الملحنين وكتاب الكلمات، الراغبين في التعامل مع نعيمة الالتزام بأعمال جادة وملتزمة، لا تتعدى دائرة الأغنية الوطنية والدينية.

ويعتبر الملحن المغربي محمد بنعبد السلام، الذي كان وراء اكتشاف العديد من الأصوات النسائية بدءا من الفنانة الكبيرة بهيجة إدريس، أول ملحن يتعامل مع نعيمة سميح، من خلال سلسلة من الأغاني الناجحة، التي وضعت نعيمة على أول درجات المجد، وكشفت عن موهبتها الحقيقية وقوة صوتها المغربي الأصيل والفريد من نوعه.

لم يكن لقاء محمد بنعبد السلام بنعيمة سهلا، خصوصا أمام تشدد والد نعيمة، لكن أمام تجاربه السابقة في اكتشاف العديد من الفنانات، وقناعته التامة بموهبة نعيمة، وإصراره على تعزيز الأغنية المغربية بصوتها، تمكن بنعبد السلام، عبر العديد من الوساطات، التي قام بها مجموعة من الإعلاميين، وعلى رأسهم محمد البوعناني، وخالد مشبال، من تقديم لحنه الأول لنعيمة، وكان بعنوان "نوارة".

بعد نجاح هذه الأغنية، المغربية الأصيلة، التي ظهرت بها نعيمة، لأول مرة، أمام الجمهور المغربي، عكف بنعبد السلام، الذي كان يحمل مشروعا فنيا يسعى إلى وضع أسس الأغنية المغربية، وإخراجها من التبعية، وهيمنة التصور الفني المشرقي عليها، على تلحين مجموعة من الأغاني، التي نجحت بصوت نعيمة الشجي، خصوصا أغنية "الله عليها قصارة"، التي كتب كلماتها الراحل علي الحداني، الذي سيبدع، في ما بعد، أشهر أغاني نعيمة سميح "ياك أجرحي".

تقول كلمات الأغنية، التي سجلت سنة 1973، وأدتها نعيمة سميح في برنامج "خميس الحظ"، الذي كان يقدمه الإعلامي المعروف أحمد البوعناني:

الله عليها قصارة
زرت ونفعاتني زيارة
ونعمت بساعة حداه
وعشت بين هاك ورا
وحلات الجلسة معاه
وبدات قلوبنا تبارى
والبارع يحكي هواه
الله عليها قصارة
العشيق تلاقى بخاه
صار الهوى يلعب لعبو
ياتي بالمايا والأشعار
صار قلبي يمحي آثار عذابو
محايني ولهيب النار
صار قلبي يهمس فودان حبابو
خايف اللحظة لا تقصار
الله عليها قصارة
الليل معانا باحلامو
فن وجمال وحكايات
رطب شواقنا بانسامو
ذوقنا حلاوة الحياة
وبلغ بينا الهوى حدو
وحنا ما زال عاد فالبدو
ولحب يباركها عشرة
يهدينا أحلى ما عندو
الله عليها قصارة
العشيق تلاقى بخاه
عمري ما حسيت أنا
بهاذ النشوة و بهاذ الهنا
أول مرة شافت عيني
يا ناس الفرحة فرحانة
فعيون حبيبي شايفها
بقلبي وبروحي حاملها
الله عليها قصارة
العشيق تلاقى بخاه

وحياتك يا شيخ مسعود وبداية الطريق

في ذلك الوقت كانت الأغنية المغربية في حاجة إلى أصوات نسائية، إذ لم تكن في الساحة، سوى أسماء قليلة نذكر منها عميدة الأغنية المغربية بهيجة إدريس، التي دفع بها الملحن المغربي محمد بنعبد السلام إلى الغناء، رفقة شقيقتها أمينة إدريس، وبعض المغنيات اللواتي لم يكملن مسارهن الفني. لذلك ألح الجيراري على مشاركتها في برنامجه، "مواهب"، الذي كان يذاع كل يوم جمعة، رغم فشل زهور في إقناع والدها.

أمام فشل مساعي الإعلامية الراحلة زهور سميح، التي كانت تجمعها بأختها نعيمة، علاقة خاصة، كانت تصفها بـ "علاقة أكبر من أن يستوعبها أي حب"، في إقناع والدها، لم يكن أمام نعيمة، سوى طلب المساعدة من الجيراري، "قلت له إن والدي لم يأذن لي بالغناء، فطلب مني أن يرافقني إلى البيت ليحاول إقناعه، فعلا ذهب معي إلى البيت، ونجح في إقناع والدي، بشرط أن أغني أغنية دينية أو وطنية، فشاركت في البرنامج".

تضيف نعيمة "يوم بث البرنامج شنت علي حرب داخلية في البيت، لكن سرعان ما اقتنع بي والدي كفنانة، خصوصا أن الأغنية، التي غنيتها لم تكن تدخل في إطار الأغنية غير المحترمة".

ورغم موافقة والدها على مشاركتها في "مواهب"، إلا أنه ظل يمانع من مواصلتها الغناء، بحيث رفض مشاركتها في برنامج مسابقة المغرب للأغنية، الذي كان يقدمه محمد البوعناني، الذي اشتهر منذ سنة 1967 بعدد من برامج المنوعات منها "خميس الحظ" و"المفاتيح السبعة" فيما بعد.

أمام رفضه، سيسعى محمد البوعناني بمساعدة الإعلامي خالد مشبال، وبعض الأصدقاء المهتمين بالشأن الفني، بدورهم إلى إقناع والد نعيمة، الذي سيوافق بالشروط نفسها، يقول الإعلامي أحمد البوعناني "كان من الصعب أن تقنع أي أسرة مغربية بدخول إحدى بناتها إلى عالم الغناء، الذي كان مقتصرا على الرجال فقطـ، لذا واجهتنا صعوبة كبيرة في إقناع والد نعيمة آنذاك".

بعد إصرار وجهد كبيرين، تمكنت نعيمة سميح من المشاركة في المسابقة بأغنية "وحياتك يا شيخ مسعود"، التي كتبها للمغنية المصرية شريفة فاضل، الشاعر حسين السيد، ولحنها منير مراد، وانتزعت المرتبة الأولى، ومعها إعجاب الجمهور، وكافة المهتمين بالأغنية المغربية".

جائزة المغرب للأغنية والانطلاقة الأولى لنعيمة سميح

بعد إصرار وجهد كبيرين، تمكنت نعيمة سميح من المشاركة في المسابقة بأغنية "وحياتك يا شيخ مسعود"، التي كتبها للمغنية المصرية شريفة فاضل، الشاعر حسين السيد، ولحنها منير مراد، وانتزعت المرتبة الأولى، ومعها إعجاب الجمهور، وكافة المهتمين بالأغنية المغربية، خصوصا الملحن محمد بن عبد السلام، الذي تنبأ لنعيمة بمستقبل كبير في عالم الغناء، بعد مشاركتها في برنامج مسابقة المغرب للأغنية، الذي قال عنه البوعناني "كانت فكرة البرنامج، الذي عرف مشاركة العديد من الوجوه الفنية من كافة أنحاء المغرب، من اقتراح الإعلامي المغربي محمد بن عبد السلام، صاحب برنامج "سمر" الطلائعي، الذي استضاف في حلقاته كبار الشخصيات المغربية، منها الراحل عبد الرحيم بوعبيد".

يقول محمد البوعناني"كانت نعيمة سميح تتمتع بصوت قوي وإحساس مرهف، جعل العديد من الملحنين المغاربة المعروفين آنذاك يسعون إلى التعامل معها، خصوصا محمد بن عبد السلام، الذي تنبأ لها بمستقبل زاهر، وخصها بالعديد من الأغاني الجميلة مثل "الله عليها زيارة"، التي غنتها ابنته غيتة في ما بعد، لتنطلق مسيرة نعيمة الفنية، في سن 16، حيث برزت موهبتها، من خلال اشتغالها مع شعراء وملحنين مغاربة كبار أمثال عبد الرحيم السقاط، الذي لحن لها سنة 1972 من كلمات الطاهر سباطة، رائعة "الخاتم"، التي كانت بمثابة الانطلاقة الحقيقية لها، ومحمد بن عبد السلام، الذي لحن لها من كلمات بنحسو رائعة البحارة سنة 1973، وعبد القادر الراشدي، وبعد ذلك عبد القادر وهبي، الذي لحن لها سنة 1975 من كلمات علي الحداني أغنية "ياك أجرحي"، التي حققت لها شهرة واسعة وجعلت اسمها متداولا في كل الدول العربية، كما خصها الموسيقار عبد الوهاب الدكالي بأغنية "رحلة النصر" ولحن لها عبدو العمري باقة من الأغاني الخفيفة، التي شكلت ثورة على الأغاني التقليدية المتداولة، كما غنت للعديد من الرواد، الذين سنأتي على ذكرهم بالتفصيل في حلقات مقبلة.

ولم تقتصر تجربة نعيمة سميح على الغناء فقط، بل تجاوزتها إلى مجال السينما، إذ شاركت في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، في فيلم مصري سوري لبناني، من إخراج سمير الغصيني، يحمل عنوان "الدنيا نغم" مع عدد من النجوم، منهم عزف القيتار المصري، الراحل عمر خورشيد، وناهد شريف، وعبد الهادي بلخياط، ووليد توفيق، وزياد مولوي.....

العصا هدية الشيخ مسعود لنعيمة سميح وشقيقتها زهور

"يا حبابي هذا حالي" بهذه الكلمات، التي كتبها الزجال والملحن والمغني المغربي فتح الله المغاري، عن الحالة النفسية لنعيمة سميح، بطلب من سيد الإيقاعات المغربية الراحل عبد القادر راشدي، نستهل الحديث عن مسار هذه الفنانة، وعن علاقاتها واختياراتها الفنية، ورحلتها الفنية التي دامت قرابة 40 سنة، عاشت خلالها أحداثا مفرحة، وأخرى محزنة.

يقول شقيقها عبد الرزاق سميح "لفهم شخصية الفنانة نعيمة سميح، لا بد من الرجوع إلى أغانيها، التي أدتها بكل حب واقتناع، ولعل أغنية "هذا حالي"، التي تقول كلماتها

يا حبابي هذا حالي هكذا هو عاجبني
راضية باللي يجرا لي قلبي وحدو حاكمني
غيرو ماعندي والي يرشدني أو يعاتبني
هادي حالي واش نعمل لا تطلبو مني محال
ما لقيت لتغييرو حل راه مالكني مول الحال

أحد مفاتيح شخصية هذه الفنانة الفذة، التي كانت تجمعها علاقة متميزة، بوالدها الراحل أحمد بلحبيب، الذي كان يمتلك قلبا كبيرا، يسع كل أبنائه، رغم تشدده أحيانا، يضيف عبد الرزاق "لم يكن تشدده نابعا من القسوة، لكنه كان من منطلق الخوف على مستقبل أبنائه، خصوصا البنات، إذ كانت الأسرة تتكون من 12 فردا ثماني بنات وأربعة أولاد".

عندما رزق أحمد بلحبيب المتحدر من الجنوب المغربي، وتحديدا من "اولاد بن السبع"، وزوجته المتحدرة من مدينة آسفي بمولودتهما الرابعة، تحسنت أحوال الأسرة، وازدهرت تجارته، فقرر تسميتها نعيمة، تيمنا بما أنعم به الله عليه من رزق ومال، لتصبح طفلته المدللة التي يتفاءل بها كثيرا، لدرجة أنه كان لا ينطق إلا اسمها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة سنة 2005.

كان أحمد بلحبيب مهتما بتعليم أبنائه، خصوصا نعيمة، التي حرص على تلقينها القرآن الكريم، الذي برعت في قراءته وتجويده، تماما كما برعت في الغناء، ومن الطرائف التي ارتبطت ببدايات نعيمة سميح الفنية، أن شقيقتها الإعلامية الراحلة زهورة، أفهمت والدها بأن نعيمة ستشارك في مسابقة لتجويد القرآن، في محاولة لإقناعه بمشاركتها في برنامج تلفزيوني كان يبث كل يوم جمعة.

بعد تدخل عدة أطراف، كما سبق أن ذكرنا في الحلقات السابقة، سيوافق الوالد على مشاركة نعيمة، وأثناء بث البرنامج سيفاجأ بابنته تغني "وحياتك يا شيخ مسعود" بدل تجويدها القرآن، ليستشيط غضبا ويقرر معاقبتها مع زهور.

مع مرور الوقت اقتنع الوالد بموهبة نعيمة في الغناء، خصوصا بعد تحقيقها نجاحا مدويا، نقلها من مجرد موهبة شابة إلى فنانة معروفة، بعد أدائها أول أغنية خاصة بها بعنوان "نوارة" وكانت من ألحان محمد بنعبد السلام، الذي آمن بموهبتها، واحتضنها فنيا ولحن لها في ما بعد "الله عليها قصارة"، والبحارة".




تابعونا على فيسبوك