منتدى 90 دقيقة للإقناع

مونية غلام تتحدث عن الردة الديمقراطية وبلكوش ومولاي أحمد العراقي يرفضان استصغار أو تضخيم20 فبراير

الأربعاء 27 أبريل 2011 - 10:05

استضاف منتدى 90 دقيقة للإقناع، الذي دأبت مؤسسة ماروك سوار، على تنظيمه بموازاة مع الحراك السياسي والاجتماعي الجاريين، الأربعاء الماضي، كلا من مونية غلام، عضوة اللجنة المركزية لحزب الاستقلال، والحبيب بلكوش، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ومولاي

بدا ضيوف المنتدى أكثر التزاما بتقارب الرؤى حول التطورات، التي أدت إلى مسيرة 20 فبراير، وما أعقبها من تحولات، وكذا ما أسفر عن الخطاب الملكي في 9 مارس الماضي، ولم يظهر المتدخلون الثلاث الجوانب التي تفصل أحزابهم عن بعضها البعض، رغم الاتهامات، التي يتبادلها بعض عناصر هذا الحزب أو ذاك، إلا أن اختلافا واضحا تأكد على مستوى التعامل مع موضوع الأمازيغية.

ففي الوقت الذي دافع فيه حزب الأصالة والمعاصرة عن الهوية الأمازيغية كهوية وطنية ولغة رسمية، اعتبرها الحزب الاشتراكي هوية وطنية، ودعا إلى عدم السقوط في تلبية مطالب من ينتهزون المتاجرة بهويات وأمازيغيات ودارجات المغرب لتحقيق أهداف سياسية، كما ذهب حزب الاستقلال في الاتجاه ذاته، مكتفيا بدعوة الأمازيغية والعربية للتوحد من أجل صد الهويات الأجنبية.

على صعيد محاربة الفساد، أجمع المتدخلون الثلاثة على أن الوقت الراهن خاص بوضع ميكانزمات محاربة الفساد، وليس محاربة المفسدين، ولم ير أي منهم ضرورة لكي تفتح الأحزاب، في الوقت الراهن، لائحة بأسماء المفسدين فيها وطردهم، تاركين مسألة البت في نزاهة الحزبيين إلى القضاء. كما أجمعوا على بعض النقاط، من قبيل اختصاصات رئيس الحكومة، وفصل السلط وتأسيس هيئات جديدة لإدارة شؤون الدولة، كما أسهب المتدخلون، كل من موقع حزبه، في تقديم الخطوط العريضة للمقترحات، التي تقدمت بها أحزابهم إلى اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور. وأشارت منية غلام إلى دعوة حزبها إلى تأسيس المجلس الأعلى للأمن والدفاع الوطني، أما الحبيب بلكوش فكشف النقاب عن طلب حزبه بضرورة عدم الجمع بين منصبي عضو في مجلس النواب ووزير في الحكومة، أو بين العضويتين في المجالس الجهوية ومجلس النواب، كما طالب بحصر حصانة البرلماني في تصرفاته، التي لها علاقة بمهامه داخل البرلمان. أما مولاي أحمد العراقي، فكانت له زاوية خاصة، بدعوته إلى ملكية برلمانية تشكل من خلالها الديمقراطية حصنا للدفاع عن مكونات الدولة المغربية، وعن رموزها ضد التهديدات الخارجية، المتمثلة في الغزو الاقتصادي والمالي، في ظل تراجع كل ما هو سياسي أمام كل ما هو مالي أو اقتصادي على الصعيد العالمي.

وفي ما يلي نص الحوار:

- نود منكم في البداية أن تقدموا للقراء قراءتكم للمشهد السياسي، على ضوء التفاعلات الحاصلة عقب مسيرة 20 فبراير، وخطاب جلالة الملك في 9 مارس الماضي، وما واكب ذلك من إصلاحات ضمنها الإفراج عن المعتقلين الإسلاميين؟
<
*مونية غلام:

* قراءتنا للمشهد السياسي في حزب الاستقلال لم نقم بها اعتبارا من 20 فبراير حتى الآن، بل قراءتنا هي شمولية، انطلقت، منذ 2007 و2009، إلى ما وصلنا إليه اليوم وما وصلت إليه الأحداث في المنطقة العربية، وبالتالي فالمغرب عرف تحولا منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، ومنذ العشرية الأخيرة بدأت تحولات ثقافية مهمة، غير أن الوتيرة كانت في البداية معقولة، لكنها تباطأت لأسباب يعرفها الجميع.

بعد انتخابات 2007، قررت البلاد تطبيق المنهجية الديمقراطية، وتعيين الوزير الأول من الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية، وكان هذا إجراء ثمنه الجميع، لأنه وضع المغرب على سكة الديمقراطية بعد استرجاع الأمل في العمل السياسي بالمغرب.

إذن، انطلق الاشتغال في إطار الحكومة الحالية، إلى حين محطة 2009، التي جسدت، حسب اعتقادنا في حزب الاستقلال، مرحلة الردة الديمقراطية، فقد شاهدنا جميعا 2007، وعرفنا من هي الأحزاب المشاركة، ووقفنا على الخريطة السياسية، التي أفرزت لنا الحكومة والمعارضة، وطريقة عمل بدأنا الاشتغال وفقها، وإذا بنا نجد أنفسنا أمام ممارسات عادت بنا إلى عهد كنا انتهينا منه. وجدنا حزبا لم يشارك في الحكومة يتوفر على أكبر فريق برلماني، وحزبا كان في البداية يساند الحكومة فإذا به ينضم إلى المعارضة، لمشاكل متعلقة بالفصل 5 من قانون الأحزاب، ووجدنا أنفسنا أمام ممارسات للسلطة رجعت بقوة، كما شاهدنا عددا من السلوكات اختفت في 2007، لكنها عادت، وبالتالي شكل كل هذا تراكما.

لما وصلنا إلى 2009 - 2010 بدأت بوادر الربيع العربي، الذي لم يكن وليد 2011 في الواقع، بل انطلق من صيرورة عاشتها البلدان، التي عرفت الثورة، قبل سنتين أو ثلاث سنوات. وبالتالي، كان من الطبيعي أن ينعكس ما وقع في تونس ومصر على المغرب، الذي لم يكن في منأى عن المشاكل السياسية، فوجد نفسه في نفق لا أقول مسدودا، لكن كان من الممكن تفاديه، حيث زاح عن الطريق التي سبق أن رسمها.

جاءت مسيرة 20 فبراير، التي تميزت بخروج الشباب إلى الشارع، ورفضهم لكل ما يحصل في المغرب، وللحكومة وللبرلمان، فكان ذلك تعبيرا عن مجموعة من التراكمات والضغوطات، التي مورست على هذا المجتمع بشكل عام، وبالتالي تفجرت، كما سرعت الأحداث، التي وقعت إقليميا، بتفجير هذا الاحتقان، إذ كان من الممكن أن لا يقع ذلك اليوم، بل ربما انتظرنا انتخابات 2012، أو أي ظرف آخر زاد من حدة الاحتقان.
الخطاب الملكي ليوم 9 مارس كان هو نقطة التحول، إذ كان استجابة لهؤلاء الشباب، الذين خرجوا للاحتجاج، باعتبارهم من سرع الوتيرة، ومكنوا من أن يخرج الخطاب الملكي إلى الشعب، في هذا الوقت بالضبط، وليس في 2012.

أو 2013، لأن الإصلاحات الدستورية مطروحة منذ سنوات، لكن ما جعلها تظهر اليوم بهذا الشكل الملح، هو ما يقع في العالم العربي، وبالتالي، كان للخطاب قوته وبلاغته ووقعه، كما كان استجابة ضمنية للحركة الديمقراطية الموجودة منذ مدة، ومن بينها الكثلة الديمقراطية التي قدمت مجموعة من المذكرات الإصلاحية منذ الأزل، وبالتالي، فالخطاب الملكي تضمن، حقيقة، عددا كبيرا من المطالب، التي مافتئنا نطالب بها منذ التسعينيات.

* الحبيب بلكوش:

* أنا شخصيا أعتبر أنه شيء طبيعي أن تختلف القراءات من حزب إلى آخر، بالنسبة إلينا في الأصالة والمعاصرة نحن في موقع آخر من هذه القراءات، نحن نعتبر أن اللحظة ليست لحظة مزايدات سياسية، كما أن التطور الذي يقع في هذه المنطقة العربية، في هذا الوقت بالذات، ليس فيه فضل لأحد على أحد. إنها تحولات وليدة تطور داخل المجتمع، ساهمت فيها أطياف كثيرة من المغاربة، حتى وصلنا إلى مرحلة العهد الجديد، التي يمكننا تسميتها مجموعة من المصالحات انطلقت على المستوى السياسي في 1998، إلى الإنصاف والمصالحة، إلى مدونة الأسرة، إلى غير ذلك مما أعطى زخما بمضمون قوي، يعبر عن إرادة سياسية.

وبالتالي فإن هذه التحولات بقدر ما تتطور بقدر ما تعكس، وهذا ما برز خلال كل المحطات الانتخابية السابقة، أننا أمام مأزق من نوع خاص، أو حلقة مفقودة يمثلها الواقع الحزبي المغربي، أي أننا كنا بحاجة إلى تأهيل كذاك الذي قمنا به على مستويات متعددة، هذا التحول الذي كان يشتكي من العزوف الذي ظهر جليا في انتخابات 2007، أي أن الناس كانوا متخاصمين مع الشأن السياسي. إذن، فمن ناحية التحول، أو المأزق، للتأثير على الدينامية بشكل أقوى، كان يعكس الإعلام الأداء الحزبي، وهنا تعددت القراءات، وفي هذه اللحظة ظهر حزب الأصالة والمعاصرة بإسهاماته ومتطلبات الانتقال بها إلى مستوى آخر.

بطبيعة الحال الحزب لم يأت وحده، بل ظهرت أحزاب أخرى جديدة نتيجة المخاضات، التي كانت تعيشها عدد من الأحزاب السياسية الموجودة، والتي كانت تعبر عن أن الجسم الحزبي المغربي هو نفسه يغلي في تفاعل مع محيطه، وبالتالي، كان لا بد أن نقر بعدم القدرة على تقديم العرض والآليات والفضاءات المناسبة، لتعبئة المواطن المغربي لينخرط في المشروع الديمقراطي.

بطبيعة الحال، الأحداث التي مر بها المغرب ليست بنفس معطى الدول التي أحدثت ثوراتها، لأن المغرب، فعلا، ليس هو مصر أو تونس، ولأن ديناميات انطلقت من زمان وفيها فاعلون متعددون، لكن في الوقت نفسه، لم تجد هذه الآليات للتعبئة والتعبير عن الرأي نفسها في الفضاءات المفتوحة على المستوى السياسي، فعبرت من خلال أشكال جديدة، ونعتبر أن حركة 20 فبراير هي أحد هذه الأشكال الخارجة عن الأشكال الكلاسيكية، لشباب بانتماءاتهم المتعددة نعتقد أنها تعبير عن رأي وعن طموح عكسته مجموع الشعارات، التي حملوها.

ويمكن القول إنها شعارات لأجيال ناضلت، من قبل، من أجل الديمقراطية، لأننا لسنا أمام شعارات جديدة، وإنما بصدد شعارات حمولتها الديمقراطية والحداثية كانت قوية، في تفاعل مع التحولات، التي عرفها المجتمع المغربي، وكانت تعبيرا عن سخط على مختلف الآليات القائمة وفيها مسؤوليات متعددة سياسية وحزبية من طرف الجميع، سواء الموقف من الحكومة أو من البرلمان وما إلى ذلك ... هذه الوضعية تتطلب القراءة بشكل موضوعي لدفتر التحملات، ويمكن القول أن اللحظات العربية كانت دافعا لتحريك هذه الآلية على المستوى الوطني، ولكن نعتقد أن الإصلاح الدستوري، الذي جاء به خطاب 9 مارس، ربما كان يطرح نفسه في جدول الأعمال، على اعتبار أن العهد الجديد في حاجة إلى إعطاء طابعه الخاص بهذه المرحلة من الناحية المؤسساتية، ثانيا، ففي حالة بلورة مجموعة من التوصيات والمقترحات، التي صدرت عن هيئات مثل هيئة الإنصاف والمصالحة، أو ما صدر من مقترحات في تقرير الخمسينية، في ما يخص آفاق المغرب المأمول، وضرورة الإصلاحات التي تفتح الآمال بدل المغرب الرجعي الذي قد نصل إليه في حالة عدم القيام بهذه الإصلاحات، كان التغيير واردا، لكن قوة اللحظة جعلت قراءتها في مستوى رفيع، بالنسبة لما كان يطرح داخل الطبقة السياسية المغربية، ومن ضمنها حزب الأصالة والمعاصرة، لكنه في الوقت نفسه كان يتفاعل مع مجموعة من القضايا، التي تبلورت على المستوى المشروع السياسي، من ضمنها دعوتنا، منذ البداية، إلى أن المغرب في حاجة إلى تدشين مرحلة جديدة من الإصلاحات، إذ كان محور الجهوية حاضرا بقوة على اعتبار أنها مستقبل يصب في التيار الديمقراطي، وتقريبه من المواطنين، وإشراك النخب، وبلورة آليات التنمية على مستوى الجهات، وثانيا، الأخذ بعين الاعتبار بعد التوصيات، التي صدرت عن التقريرين، والتي كان لابد أن تجد لها ترجمة في السياسات العمومية بمعنى أن محطة الإصلاح الدستوري نعتبرها تتويجا لمسار وتفاعل مع طموحات المغاربة، ومع الزمن الذي يعيش فيه العالم الآن...

* مولاي أحمد العراقي:

* قراءة الحزب الاشتراكي لمستجدات الساحة في 2011 بالمغرب، وبالعالم العربي خاصة، والعالم عامة، هي قراءة لفصيلة من فصائل الحركة الاتحادية، التي آمنت منذ سنة 1975، بأن مستقبل المغرب يكمن في تشييد مؤسسات تمارس السلط والاختصاصات مع تحمل مسؤولية المحاسبة.

الجانب الثاني هو قراءة تندرج في سياق مرحلة انتقالية وكونية بكل المقاييس. معنى ذلك، أن تدبير المستقبل يرتبط بالقدرة على ابتكار حلول جديدة. إننا نعلم في هذه المرحلة الجديدة ما نترك ولا نعلم ما ينتظرنا، وبالتالي يجب انطلاقا من القناعة الحزبية ومن المستجدات الراهنة أن نضع النقط على الحروف، وأن ننطلق من خطاب 9 مارس، الذي يتضمن مستجدين، الأول قبول المؤسسة الملكية، لأول مرة منذ قيام الدولة، بترشيد سجل ممارسة السلط، والمستجد الثاني، الخطاب الملكي، عبر كلمة الاجتهاد، هو تحرير لفكر الإصلاح من القيود المندرجة في ما يسمى حاليا بالعولمة بمفهوم الأحادية الثقافية والشمولية، مفهوم نظام السوق، إن صح التعبير. فالخطاب الملكي، في قراءة للمهام المستقبلية، لا يحصر موضوع الإصلاح في السياسة والدستور، بل ما يهمنا، أخذا بعين الاعتبار لواقع حال وآفاق المغرب التنموي، هي الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المؤسسة لإنجاز مشروع التنمية المستدامة. بالتالي، فالاجتهاد الذي قمنا به في الحزب الاشتراكي ليس هو الذي أدى إلى عرض المذكرة على اللجنة المختصة بالمراجعة الدستورية، بل انبثق عن هذه القراءة.

هناك، أيضا، غضبة الشارع، التي انطلقت في 20 فبراير، والتي لا ينبغي لا استصغارها ولا تعظيمها، بل قراءتها في سياق مخططات واستراتيجيات ومواقف وطنية وقومية تستدعي الكثير من التأني حتى نستخلص العبر. ونحن نعتبرها غضبة مشروعة ترتبط بالأساس بالمطالب الأساسية الغذائية الملحة للشعب المغربي، الذي يمر فعلا من تراكم شتى أشكال العجز، وفي آن واحد هي حركة يغيب فيها، على أي حال، التأطير الإيديولوجي، والتأطير المجتمعي الكفيل بإنجاز مشروع معين، وعلينا أن نجعل من هذه الغضبة، وقد أخذنا نحن في الحزب الاشتراكي هذا بعين الاعتبار، لبنة من اللبنات الأساسية لتصحيح المسار.

يبقى أمامنا مستجد آخر ليوم 14 أبريل، الذي أتى في سياق المذكرات المطروحة، كما يستجيب لمطلب أساسي هو تصفية الأجواء السياسية، وبالتالي، فإن هذه المحطات الثلاث المهمة، خلال الشهرين الأخيرين، وهي 20 فبراير، و9 مارس، و14 أبريل، نستنتج منها أن المستقبل رهين بالقدرة، لا على الانتقادات وتقديم المطالب والتفاوض، بل القدرة على إضافة القيمة، وعلى التشارك، وعلى الانطلاق من واقع الحال في ارتباطاته الوطنية والدولية المتعددة، واقتراح ما يمكن أن يساعد على رفع التحديات المطروحة.

- من خلال قراءاتكم، بدت بعض الاختلافات، التي حاولتم التستر عليها بلطف، لكن في مجمل القول، هناك مؤاخذات على الأحزاب السياسية، والجميع ما زال في مرحلة الكلام، فيما الشعب يريد أفعالا لا أقوالا. هل هناك مبادرات فعلية لتأهيل الأحزاب السياسية لهذا المشروع الديمقراطي الكبير؟

* الحبيب بلكوش:

* في الواقع أنا لا أريد أن أدخل في الجدل بخصوص هذا الباب، لأنني أعتبره ميدانا غير مفيد للمغرب وللمغاربة، وفيه تبرير لعجز حاصل بالنسبة إلى الجميع، وكل من يبحث عن شماعة يعلق عليها عجزه، سيجد حزبا أو أي شخص يعلق عليه أسباب هذا العجز.. والحديث اليوم عن تطور مواقف حزبنا لن يكون مفيدا، بعد تأسيس حزبنا واندماج أحزاب أخرى.. لا أريد أن يكون حزب الأصالة والمعاصرة هو موضوع اليوم، لكن إذا أردتم ذلك فلا مانع لدي. غير أنني اعتقد أن الواقع الحزبي، حاليا، عليه أن يتفاعل برؤية أقوى من السابق، وهذا التفاعل مع هذا الانتظار يستدعي من الأحزاب السياسية أن تكون في مستوى اللحظة التاريخية، لأننا نعتبر أن خطاب 9 مارس محطة تحول نوعي في بناء الدولة المغربية. نحن بصدد بناء جديد، وحتى الخطاب نفسه، سواء في فلسفته أو الأهداف المحددة، يتحدث عن تحديث الدولة، أي أننا دخلنا فعلا في إطار ثقافة البناء الديمقراطي على قاعدة المسؤولية والمساءلة، ولكن، أيضا، على قاعدة انخراط المواطن.

- نرى أن خروج حركة 20 فبراير إلى الشارع، كان له الفضل في إضعاف احزاب وتقوية أحزاب أخرى. أي أن بعض الأحزاب الصغيرة، التي كانت مهمشة، سطع نجمها فجأة، في حين نادت الحركة بسقوط أحزاب ورموز أحزاب كبرى. هل تتفقون مع هذا الطرح؟

* أعتقد، كما قلنا في البداية، أنه لا ينبغي تضخيم الحدث، ولو أن له قيمته في التحولات الجارية. فنحن نعرف كيف تجري المظاهرات، وكيف ترفع الشعارات...

- كيف؟ نحن لا نعرف حقيقة.. فقط نقرأ على اللافتات عبارات من قبيل "ارحل" (degage!)... وهذه لها دلالاتها على ما نعتقد، ما هو ردكم؟

* سأشرح لك. إذا كان هناك عدد من الأسماء ترفع قبل هذا التاريخ على مستوى المسيرات، قد اختفت من حقل التظاهرات، وخرجت صور أخرى في إطار صراعات كانت حاضرة بقوة، ليست على مستوى 20 فبراير، بل منذ مدة وهذا الصراع يخرج إلى العلن، من خلال شتائم على صفحات الجرائد، وفي عدد من المقالات، تمس بأشخاص... هذا يعبر عن انزعاج على مستوى الوضعية، التي توظفت فيها أشكال لقيت تعبيرها في مسيرة 20 فبراير.

ولكن الجواب على مستوى الواقع السياسي أو الحزبي المغربي، هو ليس بتلك الشعارات، بل هو أعمق من تلك الصور ومن تلك الأسماء، التي ترفع في المظاهرات.

إذن، ما هو المطلوب اليوم من الفاعل السياسي؟

* في هذه اللحظة بالذات، أرى أنه لا يجب أن نتفاعل مع الإصلاح الدستوري كمكسب منقذ من الضرر. نعم، اللحظة ذات قوة كبيرة، يبقى أن يعرف المغاربة كيف يتعاملون معها وماذا سيفعلون بها، لأننا إذا كنا ننتقد المؤسسات المنتخبة محليا ووطنيا، وإذا كنا ننتقد الفساد في التدبير، أو سوء توزيع الثروات داخل المجتمع، أو الفوارق الاجتماعية.. الخ... فإن الدستور لن يجيب عن كل هذا، فقط هو يعطي الآليات والقواعد الضابطة لها، أما ماذا سنفعل بذلك، فهذه مسؤوليتنا جميعا، مسؤولية الأحزاب، ومسؤولية المواطن المغربي، لأنه عندما سنخوض الانتخابات غدا، يجب أن يعلم المواطن جيدا أن من سيضعه في الموقع، ستكون له مسؤوليات أقوى مما كانت لديه في السابق، وإمكانيات أقوى من السابق على مستوى الجهات ..

- وبمحاسبة أقوى...؟

* نعم بمحاسبة أقوى إذا كنا فعلا في مستوى تطوير كل الآليات، ومن ضمنها آليات تطوير الرقابة لدى المواطن، والبنيات الحزبية حتى لا تبقى منغلقة على نفسها، فالواقع الحزبي المغربي لا يمكنه أن ينتج أكثر إذا لم ينفتح على المواطنين، ولن يحدث التطور المطلوب داخله بالآليات المناسبة، إذا لم يجلب نخبا جديدة للانخراط في العمل السياسي، فالمواطن حين يدخل حزبا، ليس لأنه حزب قديم أو جديد أو تقدمي، بل لأنه يجد فيه فضاء للتعبير عن طموحاته، فالأحزاب اليسارية في السبعينيات والثمانينات، في زمن القمع، كانت معبئة للطاقات، لأن نخبا واسعة كانت تجد فضاء للتعبير عن رأيها، وكان وزن المثقف حاضرا بقوة، ينتج الفكر ويؤثر في السياسة وفي الحزب...

* مونية غلام:

* أنا أتفق مع السيد بلكوش في هذه النقطة، على اعتبار أن دور الأحزاب أصبح اليوم دورا تاريخيا، يعني إما أن نكون حاضرين في هذه اللحظة أو لا نكون، وكل ما يجري اليوم سيكون مجرد سراب.

الوثيقة الدستورية في حمولتها كأسمى قانون، لا تعني أنها هي التي ستعطينا خطة الطريق لكي نرفع غدا من اقتصادنا أو ننهض بالقضايا الاجتماعية أو نحقق جميع ما نصبو إليه.. هي بالطبع تحدد العلاقات وتفصل السلط، وتقول ما لنا وما علينا، ولكن نرى أنه يجب أن تكون مقرونة بمجموعة من الإصلاحات، لا على المستوى السياسي أو المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. شخصيا ليس لدي مشكل من سيقود كل هذا، هل يقوده الأحزاب أو حركة 20 فبراير، المشكل الحقيقي هو مصلحة الوطن، أي إذا كانت هناك مصلحة تهم المغرب لتجعل منه ناجحا، لا يهم من يقوم بهذا الإصلاح، المهم أنه مغربي منبثق من المجتمع وليس أجنبيا .

نريد فعلا أن نكون حاضرين في اللحظة، وأن تكون هناك الإصلاحات المواكبة. فمحطة انتخابات 2012، إذا ما كان سيحتفظ بهذا الأجل، ستكون محطة حاسمة، لأنه إذا لم تنزل كل هذه الخطابات، التي نسمع الآن، إلى أرض الواقع، وإذا لم تطبق هذه الوثيقة الدستورية بالملموس، ولم يكن هناك تجريم للفساد الانتخابي ولاستعمال المال ....

- عفوا... في السياق نفسه، أعتقد أن هذا الإصلاح يجب أن ينطلق أساسا من داخل الأحزاب نفسها، فهل ترين أن الأحزاب مستعدة لمحاربة كل هذا، على اعتبار أنها غالبا ما تدبر أمورها باللجوء إلى الأعيان؟

* نعم هذا ما أريد قوله، الأحزاب مضطرة إلى أن تقوم بالإصلاح من داخلها، وأن تحارب الفساد من داخلها، وأن تواكب كل هذا، وإلا ستعرض من خالف الوثيقة الدستورية إلى السجن... التفكير في كل هذا انطلق منذ وقت طويل، وكان من المنتظر أن نصل إلى هذا المنعطف، وبالتالي، فنحن في حزب الاستقلال لنا تفكير في الموضوع، فرغم توحدنا، لكن أعترف أن داخل الحزب هناك مخاض واختلاف وأصوات تطالب بالتغيير، وإن كنا ندبر كل هذا من الداخل.

- كانت للأحزاب آليات انتخابية مهيكلة في الجهات، هل أنتم مستعدون اليوم لتصنيف أطرها وإعداد لوائح، لأنه يبدو أن لا مجال للاستغناء عن الأعيان في تدبير شؤون الحزب...؟

* سأعطيك مثالا بسيطا، نحن في حزب الاستقلال لدينا لجنة القوانين، وفعلا أعددنا مقترحنا الخاص بالقوانين الانتخابية وقدمناها لوزير الداخلية، وهي مقترحات تحمل كل هذا الذي تتحدث عنه، من محاربة تدخل الأعيان، وأن الحظوة تكون بموقع جماهيري محض، لا تكون بالمال بل بالبرامج... وحتى لائحة الشباب والمرأة هي مطروحة في إطار تصنيف الأطر. لأن فعلا يظهر أنها ستفتح المجال لعدد من الناس يصعب عليهم الولوج إلى البرلمان، بالنظر إلى خصوصية الانتخابات المغربية.

* مولاي أحمد العراقي:

* مرة أخرى ما يجب أن نتجنبه في سنة 2011، هو التعامل مع المستقبل بعقلية الماضي، لأن منطق الماضي يفرض علينا كإعلاميين وكسياسيين، و كأي مواطن أن نتفادى الأحكام بالقيمة . فمثلا طرحتم سؤال دور الأحزاب السياسية في تكريس هذه الإصلاحات. أقول إن هذا الدور، سواء في المغرب أو خارجه، تقلص خلال العشرين سنة الأخيرة. فالحزب الشيوعي الفرنسي لسنة 2011، ليس هو الحزب الشيوعي لسنة 1990، مثلا، والنقابات، وكل الهيئات.

بل سأذهب إلى أبعد من ذلك، تفكيك المجتمعات ذهب إلى حد بعيد جدا، بحيث إنه مثلا إذا أخذنا النموذج المغربي، يتضح لنا أن ضعف المجموعات حاصل، والدولة القطرية تراجع دورها واختفى، وأصبح الفاعل المالي يؤثر أكثر على السياسي، هذا من جهة، ثانيا، نجد أن المغرب يعيش الآن على إيقاع وتيرة الثنائيات، المرأة والرجل، القوي والضعيف، الطفل والشيخ، القرية والمدينة، الغني والفقير، الحداثي والتقليدي، الإسلامي والعلماني، يعني إن مشكل تفكك المجتمع والمنظمات الممثلة له، هو ليس بمشكل مغربي، بل كوني، وإن كانت له خصوصيات مغربية، تتمثل، مثلا، في مشكل الثنائي الأمازيغ والعرب، في إطار الهوية الوطنية التاريخية المتكاملة والمتنوعة.

لكن الآن ما نراه من حيث إضعاف المؤسسات لا يحق تماما. وفي سياق دفاعي أنا، أيضا، عن مصلحة الوطن، أريد أن أقول لإخواني الإعلاميين وللنخب ولكافة المواطنين، إنه إذا لم ننطلق من مبدأ المسؤولية المشتركة والمتفاوتة الدرجات، لا يمكن تماما أن نجد الحل فقط بإنساب الغلط إلى هذا الطرف أو ذاك، إذن، المسألة المطروحة اليوم، هي كيف نجعل من الإصلاحات السياسية والدستورية الرافعة الأساس من أجل تدبير مرحلة أساسية، يمكن أن نلخصها في سلبيتين بارزتين، الأولى، وهي تحكم المال في القرار على المستوى الدولي، ما جعل المنتخبين يجندون أموال الناخبين من أجل منحها للبنوك، التي لا تعمل على حل مشكلة الركود الاقتصادي، أحرى حل المشاكل الاجتماعية المطروحة. السلبية الثانية تتعلق بما جاء في قمة كوبنهاغن، في دجنبر 2009، التي اتسمت بطي صفحة التعاون الدولي من أجل الحد من التغيرات المناخية، في وقت ترتفع فيه حدة انتقام الطبيعة، مثل التسونامي الأخير في اليابان، الذي أعادها أربعين سنة إلى الوراء، وتسبب في تلويث أجواء العالم بأكمله، إذن نحن في فترة تاريخية تتسم بهذيان المجتمع الاستهلاكي، جعلنا نضع الكماليات أمام الحاجيات الضرورية ما فرض علينا، نحن هنا في المغرب، ألا نتعامل مع الإصلاحات الدستورية من منطلق المواقع، أو بمنطق أنني أنا الأصلح، وأن أي خطأ فهو يأتي من الآخر. ما يحصل الآن هو حصاد ما تراكم من اختلالات فكرية وفي مشاريع التنمية، والمغرب بطبيعة الحال له نصيبه من هذه المسؤولية.
إذن، ما هو دور الأحزاب السياسية في مشروع الدستور المرتقب، إنه دور تنفيذ مخططات واستراتيجيات يجري تحضيرها في غياب الأحزاب السياسية، يعني أن الحرية التي تتوفر عليها ليست هي حرية التصور الاستراتيجي لقطاعات معينة، مثل التعليم والصحة أو تأهيل المجتمع أو السكن... إذن دور الأحزاب، منذ زمن بعيد، كان فقط هو تنفيذ استراتيجية المغرب النافع والمغرب غير النافع، وتنفيذ تشجيع الاستثمار الأجنبي، وتهدئة الأوضاع الأمنية، وحماية اليد العاملة المغربية، يعني أن المشاكل المطروحة على المغرب هي مشاكل تلقى مسبباتها في اختيارات تؤدي إلى النتائج التي نعيشها اليوم، وعوض أن نراجع هذه الاختيارات نبحث عن ملء الثغرات، وبالتالي نظل في موقع الإثارة. لذلك فإننا حين نطرح اليوم مسألة الإصلاحات السياسية والدستورية، يجب أن نضع كل شيء في مكانه، ولا نستصغر ولا نستكبر، ونقول كل شيء على ما يرام، أو كل شيء سيء، بل ينبغي أن نستنتج من الخطاب الملكي أنه فتح ورشا لفصل السلط ومراقبة السلط، وتحرير الفكر الإصلاحي من القيود الموضوعة من طرف النظام العالمي الذي يهيمن عليه نظام المال بالملموس.

* الحبيب بلكوش:

* بالنسبة إلى مضامين الخطاب، أقول إننا داخل حزب الأصالة والمعاصرة كان فكرنا يشتغل، حتى من قبل، على تطوير البرامج ووضع الآليات الداخلية للحزب، لأننا نرى أن أي حزب إذا كان لا يجدد نفسه وينفتح على محيطه، فإنه سيتوقف عن العطاء. وأرى أن كل الأحزاب قدمت مقترحاتها في شأن تحديد أطرها ونخبها. وإن كنا نرى أن هذه الفئات كالشبيبة مثلا، يجب أن تكون في صلب المشروع السياسي بدل هامشه، وبالتالي، فمكانتها يجب أن تكون داخل الحزب نفسه، وليس في تنظيمات موازية...

- إذن أنتم ليس لديكم تنظيمات موازية؟

* هذا هو اختيارنا، لأننا ندرك أن التنظيم الموازي لفئة تعني أنك تخلصت من قضاياه، لذا نقول إن عليها أن تجد مواقعها داخل الحزب، لهذا كنا طرحنا في اللائحة الوطنية الثلث للنساء للرفع من مشاركتهن، وأعتقد أن النسبة يجب أن تطرح بالنسبة إلى الشباب كذلك، داخل اللوائح الانتخابية للحزب، كأطر.

هناك ملاحظة في موضوع الأعيان، فهذا واقع، نجد أن هناك من هو في البرلمان منذ نشأته إلى اليوم. هذا وضع يصعب جدا محاربته، لأن الأعيان يعتبرون مغاربة، إذا ارتكب أحدهم مخالفة عليه، أيضا، أن يحاكم وتطبق عليه المساطر القانونية، التي تطبق على جميع المغاربة، فالمشكل ليس في الأعيان، بل في الأحزاب التي تبحث عن الموقع بالعدد أكثر مما تبحث عن البعد السياسي. أرى أن التحدي الكبير، اليوم في ظل العولمة، هو محطة رفع الحواجز الجمركية التي ستجعل المؤسسات الاقتصادية تتلاشى إن لم تكن قادرة على المنافسة، مما سيزيد من تعميق الأزمة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فما هي النخب المناسبة والقادرة على تدبير محطة 2012، ليس باعتبارها محطة الانتخابات. إن النخب التي نطلبها هي التي تكون قادرة على ربح التحديات الكبرى. لما نرى المشروع المطروح الآن على مستوى الإصلاحات السياسية والدستورية، نجد أن خطاب 9 مارس تكمن قوته في تتويجه لمسار من التحولات، وهو يضع قواعد تساعدنا في هذا البعد، على اندماجنا في العالمية، على المستوى الاقتصادي والمالي والسياسي، والحكومة التي ستعطاها هذه المسؤوليات عليها أن تحاسب، وأن النخب في المؤسسات التشريعية يجب أن تتوفر على سلطات أوسع للمراقبة، لكن يجب أن تكون في مستوى هذه المسؤولية، وهذا لا يصنع داخل معمل، بل من صنع الأحزاب التي إن لم تقم بنفسها ببلورة الاستراتيجيات المناسبة، لتقديم الأطر القادرة على تدبير هذه المحطات، فلن تكون قادرة على التفاعل، في العمق، مع التحولات الجارية الآن داخل محيطنا.

- لكن لو سمحتم، إنكم تتحدثون عن مرحلة تاريخية وعن ثورة إصلاحات شاملة، وقدمتم مقترحات بمئات الصفحات، وتعتبرون المرحلة المقبلة مرحلة للقطع النهائي مع الفساد، بالمقابل لا يمكن القطع مع الفساد إلا بالقطع مع المفسدين، هل هناك حزب أعد لائحة بأسماء العناصر الفاسدة والمشبوهة وأعلن قرار طردها، للتعبير، على الأقل، عن صدق نيته في تطبيق الشعارات، التي ترفعونها، أم أنكم ستمرون إلى المرحلة المقبلة بالتشكيلة نفسها، بمصلحيها ومفسديها؟

* مولاي أحمد العراقي:

* لا، أسمح لي، إن دور الأحزاب بمختلف تشكيلاتها، في هذه المرحلة، هو البحث عن ميكانيزمات محاربة الفساد، وليس محاربة المفسدين، وهناك فرق كبير.

- لكن يستحيل مقاومة الفساد دون مقاومة المفسدين؟

* مولاي أحمد العراقي مواصلا حديثه: يجب أن يوجد في دستور البلاد نصوص تجعل من الانزلاقات أمورا مستحيلة، في المستقبل، لنأخذ مثلا مسألة تعيين المسؤولين الكبار في مجال القضاء مثلا، أو في مجالات أخرى، مع ضمان احترام استقلال السلط، يجب ألا نقول للقضاة تعالوا واختاروا لنا قاضيا يترأس هذه السلطة، يجب أن ينصب الاجتهاد من الآن حتى المصادقة على الدستور، على ميكانيزمات مقاومة الفساد، وتحديد طريقة فعالة ومحكمة، لتشكيل المجالس والمؤسسات ومنع الخروقات فيها، وعندما نصل إلى مرحلة تولي الأحزاب المسؤولية، هنا تأتي الخطوة التي ذكرتم، لتقوم الأحزاب باختيار العناصر المؤهلة، وهي عملية تتعلق بالانتقال من مرحلة الاندماج في وضع النظام القديم، إذا صح التعبير، إلى بناء النظام الجديد، وهي مسألة تتطلب مجهودات كثيرة، من خلال التكوين والتكوين المستمر، وتنظيم الندوات...

- ألا تستدعي، أيضا، امتثال هذه الأحزاب لديمقراطية داخلية حقيقية؟

* لا إن مسألة الديمقراطية الداخلية للأحزاب ستحسم من داخل الدستور، لا يعقل أن نترك للناس مثل هذه الأمور، بل يجب أن نحسم فيها بواسطة العقد الاجتماعي الجديد، وعندما يتضمن الدستور ويضمن ما يمنع الوقوع في الانزلاقات، سواء داخل المؤسسات الحزبية أو مؤسسات الدولة، فإن المسؤولية سيصبح لها إطار آخر، و"غادي تكون صعيبة"، إن المغرب، كما أشار الإخوان، تراجع من الرتبة 101 إلى الصف 130، خلال العشرية الفارطة، على المستوى التنموي، والمغرب محتار مع التعليم والصحة وعدد من المشاكل الأخرى، وبالتالي فإن من يريد أن يمارس السياسة، يجب أن يتحلى بالكفاءة والجدية، وتقديم المعرفة على الإيديولوجيا.

- إذن لن يكون هناك مكان للمناضل الحزبي؟

- بالعكس، هنا صلب النضال، لأن موضوعه لن يكون الاستفادة الشخصية، كما هو واقع الحال اليوم، وبالتالي فإن النضال الحقيقي هو العمل من أجل منفعة البلاد، وليس تحقيق المصالح الخاصة.

- أنتم تتحدثون عن الكفاءة المعرفية، وتقولون إنها ستكون شرطا ضمن الشروط الأخرى لترشيد الحكامة، بالمقابل توجد كفاءات في الأحزاب ومؤسسات الدولة، وتوجد قوانين تمنع الفساد، لكن ذلك لم يمنع من تحقيق المصالح الخاصة وتدمير المصالح العامة؟

- مونية غلام

* ما هو الحزب؟ إنه انعكاس للمجتمع، بصالحه وطالحه، ولا يوجد هناك حزب يدعي أنه يجمع الأنبياء والأولياء. إن الأحزاب صورة للمجتمع، وما يجب أن نقوم به الآن، كما قال الأستاذ (مولاي أحمد العراقي) هو أن نحارب الفساد، وليس المفسدين، فعندما نضع آليات محاربة الفساد، سيضطر المفسدون للخروج من اللعبة، لأنه لن يعود لهم مكان فيها، وبالتالي فإن المهمة الآن هي محاربة الفساد، وهناك نقاش على مستوى البرلمان يجري بموازاة مع الإصلاحات الدستورية، يتطرق للقانون الانتخابي، لقطع الطريق أمام الفساد الانتخابي.

قبل قليل، تحدث الأخ عن القطع مع الماضي بالقطع مع المفسدين، وهذا اتهام ونحن لا نتهم أحدا، بل القضاء هو الذي يجب أن يصدر الأحكام، نعم هناك ممارسات معروفة...

- ماذا فعلتم مع أصحاب هذه الممارسات المعروفة؟

* ما دام القضاء لم يقل كلمته لا يمكن أن نتهمهم، وهم يعرفون ما يقومون به.

- متى سيتكلم القضاء، إن الأمر يتعلق بقوانين وضعت على المقاس، تحارب الفساد في الظاهر، وتسمح باستمراره على أرض الواقع، لنأخذ كمثال على ذلك الترحال داخل البرلمان، الذي يجري بناء على من يدفع أكثر، نريد توضيحا في هذه المسألة؟

* الحبيب بلكوش:

* لتوضيح المسألة، ولسد الباب في هذا الموضوع، اقترحنا في حزب الأصالة والمعاصرة، ضمن مذكرة المقترحات، التي وجهناها إلى اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور، أن الترحال لا يجب أن يمنع وإنما يلغي المنصب وتعاد الانتخابات.

فالمشكل أعمق مما نتحدث عنه، فالمسألة مرتبطة بمدى قدرتنا على تأهيل مؤسساتنا للتحلي بالشفافية وإرساء ثقافة أخلاقية تمنع استمرار الفساد، فليس من مهمة الأحزاب محاربة الفساد، يمكن أن تضع ضوابط وقواعد فيما بينها لمحاربته، في ما تبقى مقاومته والقضاء عليه من اختصاص الأجهزة والآليات على مستوى الدولة، ومن خلال المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وأعتقد أن دينامية الإصلاحات، التي نحن بصددها، ستشمل مختلف مؤسسات الدولة. إذ لا يمكن أن نقول هذا شخص فاسد لا يمكن أن نمنحه التزكية، إنه من غير المقبول أن نحكم على الناس من باب النوايا، لأن ذلك يسقطنا في تصفية الحسابات بناء على الإشاعات، وهذا المنطق لن يحل المشاكل.

- لكن لو سمحتم، ليس هناك حتى الآن ما يعطي ضمانات للشعب بأن الأحزاب السياسية سوف تتخلى عن الأعيان وعن ثقافة الفساد الانتخابي وبتضمين الدستور الجديد الآليات، التي تحدثتم عنها لمحاربة الفساد، هل لن يكون هناك مفسدون في المستقبل؟

* مولاي أحمد العراقي:

* حذار أن تعتقد أنه بمجرد خروج الدستور الجديد إلى حيز الوجود، سوف يتحول المغرب إلى جنة، إذا تفضلتم بقراءة المقترح، الذي تقدم به حزبنا (الحزب الاشتراكي)، سوف تجدون أننا اقترحنا إحداث هيئة دائمة للإصلاح، ولكي أجيب على سؤالكم، إن ما يجب أن نقوم به الآن، هو الفصل بين دور الأشخاص ودور المؤسسات في ممارسة السلط، وإذا استطعنا، في الدستور المقبل، أن نجعل القرار يتخذ ضمن منطق المؤسسات، وليس ضمن منطق الأشخاص، سوف نكون حققنا قفزة نوعية في هذه البلاد، تسمح لنا بالسير في الاتجاه الصحيح، وإذا كنا نعتقد بأن مجرد إحداث إصلاحات دستورية بهذا الشكل أو ذاك سوف تحقق لنا نتائج، فذلك ليس صحيحا. إن ما تشهده الساحة الدولية، وأقول الساحة العربية على وجه الخصوص، من تغيرات، خلال 2011، وليس 2012، سوف يغير حتى الدور المستقبلي للمؤسسات، وأن الإصلاحات، التي نحن بصددها، سنكون مضطرين لمراجعتها، الآن نحن نضع تخمينات وتصورات، ونعترف بأن الوقت الراهن هو فرصة لتحقيق قفزة نوعية، ولا نقصد بها الانتقال إلى عالم نموذجي، والمطلوب من كل واحد منا أن "يعطي يد الله كما نقول".

وبالنسبة لقولي يجب أن نضع المعرفة قبل الإيديولوجيا، فأنا أقصد تقديم كل ما له علاقة بالإصلاح على كل ما هو عقائدي وإيديولوجي، مثل الدين والهوية والمساواة بين المرأة والرجل، فهذه مبادئ ونعترف بأنها حقوق مدنية واجتماعية، وضمناها حقوقا فرعية، مثلا أنه بسبب هوية منطقة ما في المغرب يجب ألا نقلب هوية البلاد كلها، ولهذا عندما قلت بأنه يجب وضع المعرفة قبل الإيديولوجيا، كنت أعني ما أقول لحماية المغرب سواء من الإيديولوجيات الداخلية أو القادمة من الخارج، التي أصبحت في الوقت الراهن مثل سيف مسلط على رقاب عباد الله.

- تحدثتم، قبل قليل، عن تحكم العامل الاقتصادي في العامل السياسي هل تضمنت اقتراحاتكم الموجهة إلى اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور، ما يضمن حماية المال العام، ويحقق المنافسة الشريفة، ويحمي الاقتصاد الوطني، ويجعل السياسيين يعيشون من أجل السياسة وليس من السياسة؟

* مونية غلام:

* بالنسبة للإصلاحات التي تقدم بها حزب الاستقلال، هي شاملة وتصب جميعها في ضبط العلاقات وضبط السلط، وكل واحد يعرف ما له وما عليه، حتى يحدد لنا الدستور كمواطنين، أولا وقبل كل شيء، حقوقنا وواجباتنا، وبالتالي فاقتراحاتنا متعددة، وسأدلي بما هو مهم وأساسي بالنسبة لنا، وسأبدأ من مجال التشريع، إذ طالبنا بأن يكون البرلمان هو المصدر الوحيد للتشريع، وأضع ثلاث سطور بالأحمر على كلمة "وحده"، هناك، أيضا، تقوية المؤسسات، بداية بالبرلمان، وأن تمارس دورها بشكل حقيقي، وليس بالصورة، التي نراها عليها اليوم، سواء في مجال التشريع أو في مراقبة الحكومة أو مراجعة الاتفاقات الدولية، وقررنا أن نحتفظ بنظام الغرفتين، ما دام أن المجالس الجهوية ستكون ممثلة في الغرفة الثانية، وأننا سنمر إلى الجهوية الموسعة، ووضعنا الغرفة الأولى في مرتبة متقدمة بصفتها تمثل صوت الشعب، على أن يكون دور الغرفة الثانية مركزا على الحكامة الترابية وتدبير شؤون الجهات. وبالنسبة للسلطة التنفيذية سأتطرق إليها بعجالة لترك المجال للإخوة، اقترحنا أن يكون الوزير الأول هو رئيس السلطة التنفيذية، أي الإدارة وتنفيذ البرنامج الحكومي، ويجب أن يكون من الحزب الحاصل على أول نسبة من الأصوات في الانتخابات، وأن اختيار الوزراء، الذين يعينهم جلالة الملك، ولن يكون هناك مكان لوزراء للسيادة، كما اقترحنا أن يتولى الوزير الأول الإدارة المغربية بما فيها الشركات، التي سبق أن عرضت للخوصصة وما زالت الدولة تساهم في رأسمالها، إذ يتعين عليها أن تقدم حساباتها وتخضع للمساءلة أمام البرلمان، هذه الشركات يجب أن تخضع لسلطة الوزير الأول حتى على مستوى تعيين مدرائها، ما دام رأسمالها يعتمد على أموال الشعب، إضافة إلى تعيين مدراء ورؤساء المؤسسات المدنية والاقتصادية التابعة للدولة.

- هل من مقترحات تضمن الديمقراطية الداخلية للأحزاب؟

* نحن في حزب الاستقلال ليس لنا مشكل بشأن الديمقراطية الداخلية، لأننا نمارسها، منذ زمان، وبالنسبة لنا قدمنا اقتراحات حول النقط، التي نرى فيها الخلل، بينما الأمور، التي لا نرى فيها أي إشكال فلم نقدم بشأنها اقتراحات. وكانت مذكرتنا بشكل عام، على أننا عندما يبدأ السيد المنوني (رئيس اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور) جلساته، سوف نقدم اقتراحاتنا فصلا بفصل، على مستوى الصياغة، لأن التأويلات خطيرة، ولهذا ذكرنا في مذكرتنا الخطوط العامة على أن نتولى التفاصيل في حينها.

- نريد أن نعرف المدى الذي وصلت إليه اقتراحاتكم، انطلاقا من دعوة جلالة الملك إلى التحلي بالجرأة والاجتهاد؟

* الحبيب بلكوش:

* على مستوى الهوية، أولا ذهبنا إلى ضرورة تكريس الأمازيغية، وتكريس الأبعاد الأخرى للهوية المغربية، التي نعتبر البعد المتوسطي، حاضرا فيها بقوة.

- لكن تكريس الأمازيغية ودسترتها، سيكون كهوية أم كلغة؟

* هما معا، كهوية وكلغة رسمية، كما قدمنا اقتراحات بشأن الفصل 19، الذي قلنا إنه يجب أن يكرس الخيار الديمقراطي ضمن ثوابت البلاد، ونعتقد أن هذا يجب أن تكون له مكانته، وتكون من مسؤوليات الملك، الحرص على أن هذا الاختيار يتكرس طبعا عبر ضوابط وممارسة السلط، وبالنسبة لصلاحيات الملك تبقى كما هي بالنسبة لنا، ولكن في إطار، أولا الاختيارات الديمقراطية، واحترام مقتضيات الدستور، وتمارس طبقا لما ينص عليه الدستور، حتى لا نبقى في التأويلات من خارج الدستور، للصلاحيات التي تمارس، وبالنسبة للسلط، في ما يتعلق بتكريس المنهجية الديمقراطية لا يطرح أي إشكال، وأن توضع كل المؤسسات الحكومية تحت إشراف الوزير الأول، على أن تكون الحكومة، مسؤولة على وضع السياسات الحكومية وتنفيذها، وتقديم الحساب أمام المؤسسة التشريعية، أما اختيار الوزير الأول والوزراء فلا اختلاف على هذه المسائل فهي واضحة.

- ماذا عن الحكامة الأمنية؟

* سنأتي إلى الحكامة الأمنية في ما بعد، أما بالنسبة للمؤسسة التشريعية، دعونا إلى تقويتها على كل المستويات، خاصة في ما يتعلق بمهمة المحاسبة، وطالبنا بأن تقدم الحكومة سنويا بيانا عن سياستها أمام البرلمان، يستجوب رئيس الحكومة والوزراء، تنظم جلسات الاستماع كذلك، يقيم الأداء الحكومي بناء على تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وذلك من أجل إعطاء القيمة الحقيقية لتقارير ودور هذا المجلس والخروج به من الحالة الراهنة، التي تقضي بأخذ تقاريره أو تركها، بل نريد إدماج نتائج عمله في أشغال المؤسسة التشريعية، وإضافة إلى تعزيز موقع المعارضة، إعادة النظر في دستورية القوانين، تشكيل لجان التقصي، إضافة إلى مجموعة من المقترحات الرامية إلى تمكين المعارضة من الآليات، التي تسمح لها بأداء دور فعال داخل المؤسسة التشريعية، وإخراجها من حالة المعارضة، التي تكتفي بتوجيه انتقادات إلى السياسة الحكومية، إلى مرحلة المعارضة القادرة على كشف الخلل وتصحيحه.

أما في ما يتعلق بالسلطة القضائية، طلبنا باستقلالها عن السلطة التنفيذية، وأن يخرج وزير العدل من المجلس الأعلى للقضاء بصفة تامة، وأن يعين رئيس المجلس حتى من خارج جسم القضاء.

- نريد بشكل مقتضب أهم المقترحات، التي تقدم بها الحزب الاشتراكي؟

* مولاي أحمد العراقي:

* بالنسبة لنا انطلقنا في وضع مقترحاتنا بناء على ملاحظات أساسية، وفي مقدمتها تراجع ما هو سياسي أمام ما هو مالي واقتصادي، وتحريف الديمقراطية على المستوى الكوني، وليس فقط على المستوى الوطني، ومن هذا المنطلق، نعتبر أن حماية مقومات الدولة، والسلطة السياسية الوطنية ،من النفوذ المالي والاقتصادي القادم من الخارج، الذي يمارس تأثيرا خطيرا على الشعوب والدول، لا بد أن تأتي عن طريق ملكية برلمانية، وذلك لأن القرار النافذ هو مالي يأتي من وول ستريت، والقرار، الذي يأتي بعهده، هو قرار أوباما وساركوزي والجماعة الكبرى، ودورنا نحن في المغرب يأتي بعد دور أولئك الذين يخدمون مصالح القوى الكبرى، وبالتالي عندما نقول، الملكية البرلمانية فإننا نريد أن نحمي رمز السيادة والوحدة الوطنية، من قوى لا يملك المغرب القدرة على مواجهتها، مثلا عندما تأتي شركة التطهير الأجنبية وتحصل على مشروع داخل البلاد، دون أن تمر بأي إجراءات، وهناك مسائل أكبر وأخطر بكثير من هذا المثال، لنأخذ مثلا مناجم في المغرب لا يعرفها المغاربة، تستغل من طرف لوبيات متعددة الجنسيات، ولهذا عندما نتحدث عن الملكية البرلمانية وهي حاضرة في مقترحاتنا، نرمي من خلالها معالجة الشأن المغربي بطريقة مغربية، وفي سياق التحولات الحاصلة الآن، ونعتقد أن المحافظة على مقومات الدولة المغربية شيء مهم، وأن رمز الوحدة والسيادة في البلاد يجب أن يستمر في ممارسة اختصاصاته، عدا البيعة، التي يجب أن تأتي من الجهة، ولكن داخل الجهة لا بد، أيضا، من فصل السلط بعضها عن بعض، لا بد، كذلك، من تعزيز دور الرقابة والمحاسبة، بل ذهبنا أبعد من وجوب فصل القضاء عن السلطة التنفيذية، وطالبنا بعدم جواز أن يعين قاضي قاضيا، وإذا وضعنا قاضيا على رأس المجلس الأعلى للقضاء، سوف نستمر في تلقي ضربات القضاء الفاسد 15 سنة أخرى أو أكثر، كما أننا ذهبنا أبعد من ذلك، واقترحنا بالنسبة لرئاسة وتسيير المؤسسات الاجتماعية شخصيات تمثل مكونات المجتمع، وليس أن يكون المسيرون من المنتسبين للقطاع، لأنه لا يجوز أن نكون حكما وطرفا في آن واح. دعونا، أيضا، إلى ضرورة دمج مجلس المستشارين بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ويشكلان معا تلك الهيئة، التي ينبغي أن يكون لها دور استراتيجي، لأن مشاكل المغرب، ليست مشاكل حزبية أو فئوية أو (هاد التخرشيش كولو)، بل هي مشاكل تتعلق بضرورة توفير حاجيات وخدمات أساسية لا غنى عنها للمواطن، صحة في متناول الجميع، تعليم جيد عدالة نزيهة وفعالة، مناصب شغل كافية إلخ...

أما في ما يتعلق بمسألة الهوية المغربية، فنعتبرها هوية متنوعة ومتكاملة في آن واحد، ولا يحق تماما أن نخضع لهويات أجنبية، مثلا أنا لا أرى لا عربية ولا أمازيغية سوى حروف لاتينية، وفي الشارع إذا وجدنا أسماء محلات مكتوبة بحروف عربية، نجد "كراج" و "بيفتيك" ونجد هريرة مكتوبة بحروف لاتينية، أين هي الهوية؟

وبالتالي فإن هذه الفرنكو عربية، التي جعلتنا لا نحن عرب ولا أمازيغ ولا فرنسيون، وتطرح لنا مشاكل كبيرة على مستوى الجهاز التربوي، والإعلام والتواصل والثقافة والوطنية... إضافة، إلى ذلك عندما نتحدث عن الثقافة الوطنية يجب أن نقول الأمازيغيات والدارجات وهو ما لا يسمح بحل مشكل هذا التعدد بترسيم لغة واحدة على حساب أخرى، بل يقتضي الأمر الاعتراف بالرصيد اللغوي الكامل للوطن، وهو أمر لا بد منه، ولا بد من دسترته، لكن هل يحق أن نتوجه إلى الأمم المتحدة بلغتين، فعندما نقول اللغة الفلانية لغة رسمية فذلك له تأثيرا لا يتصور، أي ما يفرض عليك أن تتوجه إلى الأمم المتحدة وتلقي خطابك بالأمازيغية، وأن تقدم قانون المالية والتداول داخل البرلمان بالأمازيغية، ولكن أي أمازيغية، هناك أمازيغيات، وهي، إلى جانب اللغة العربية والدين الإسلامي، تعتبر رصيدا وطنيا مشتركا لا يحق لأي كان أن يحتكره، ومن يسعى للعب بهذه الأوراق هم فقط مناورون سياسيون.

ولهذا عندما يتعلق الأمر باللغة، فيجب أن نبحث عن أي اللغات تمتلك القدرة العلمية والنحوية والأدبية مثلا لتأهيل الجهاز التربوي، ونعتبرها لغة الجميع للأمازيغ والعرب، باختلاف لهجاتهم ودرجاتهم ولغاتهم. إذ يجب أن نكون شجعان في اتخاذ المواقف، وأن نتكلم مع الأخوة القاطنين في المناطق الأمازيغية بلغة الأخوة، ولكن باللغة الصارمة، لأنه لا يمكن أن نرهن مستق<




تابعونا على فيسبوك