أشرف عامل إقليم الجديدة معاد الجامعي، أخيرا، على هدم الجدار الممتد على طول زهاء 220 مترا، وبارتفاع 6 أمتار، كان حرم طيلة عقود خلت، عاصمة دكالة من وعاء عقاري، عبارة عن أرض مساحتها تزيد عن هكتارين، بفضاء ميناء الصيد البحري بالجديدة، حيث تقرر تحويل الأرض ال
في سباق محموم مع عقارب الساعة، باشرت شركة متعاقد معها أشغال تأهيل أرضية الساحة الشاسعة، البالغة مساحتها 23 ألف متر مربع، بغية احتضان مهرجان "جوهرة الجديدة" الدولي، الذي ستنطلق قريبا فعالياته، والتي سيحييها 500 فنان من الكرة الأرضية، وسيتابعها في الهواء الطلق، حوالي 200 ألف متفرج، بالمجان، حسب توقعات المنظمين. وسيشمل ورش البناء والتأهيل، فور انتهاء التظاهرة الفنية، تشييد ساحة عمومية، خصص لها غلاف مالي قدره 10 ملايين درهم.
وبإسقاط جدار "العار"، حسب وصف المهتمين والمتتبعين للشأن العام بالجديدة، تكون عاصمة دكالة استرجعت بين أحضانها، جزءا من ترابها ظل حبيسا طيلة عقود، لبرامج ارتجالية، وخروقات صارخة، شابت تدبير الشأن المحلي للمجالس الجماعية، التي تعاقبت على بلدية الجديدة، حرمها من فرص حقيقية للتنمية الاقتصادية والبشرية، تجعلها في مصاف كبريات المدن المغربية. وهذا ما يستشف من "التجاوزات واختلاسات الأموال العمومية، ومن سوء تدبير الشؤون الإدارية والمالية"، التي تضمنها تقرير المجلس الجهوي للحسابات، والتي رمت بقائمين على الشأن المحلي ببلدية الجديدة، وعمالة الإقليم، خلف القضبان، بالسجن المحلي سيدي موسى.
رد الاعتبار لعاصمة دكالة
إن إقامة ساحة عمومية بالأرض الخلاء، يعتبر إنجازا متميزا، بحسب المتتبعين وفعاليات المجتمع المدني، سيرد الاعتبار لعاصمة دكالة، التي ظلت تعاني في صمت من التهميش والإقصاء الممنهجين، بعد أن كانت، مطلع القرن العشرين، في مصاف أجمل المدن الأوربية، وكان المارشال ليوطي قال في حقها سنة 1913: "يجب أن تكون مزاغان دوفيل المغرب". فجدار حديقة محمد الخامس، مازالت تحمل شهادة هذا الرجل العظيم، كتبت بأحرف بارزة في لوحة برونزية، قاومت عوامل التعرية.
إعادة استكشاف الحي البرتغالي
بسقوط ذلك الجدار الممتد على 220 مترا، الذي ظل يحجب رؤية الحي البرتغالي وأسواره العتيدة، سيعيد سكان عاصمة دكالة، استكشاف هذه المعلمة التاريخية الشامخة، التي كانت شاهدة على بطولات المغاربة، في مواجهة البرتغال، سيما أنها لم تحظ، منذ أن صنفتها منظمة اليونسكو، في 30 يونيو 2004، تراثا إنسانيا وحضاريا، بالمكانة التي تليق بها. وكان الاحتفاء بهذا التصنيف، شكل فرصة للمزايدات السياسية والانتخابية.
واعتبرت فعاليات سياسية أن هذا التصنيف لم يجلب سوى الويلات والشؤم، للحي البرتغالي ولسكانه، خلافا للانتظارات والتطلعات، وفي مقدمتهم تجار درب (الدكاكة) قبالة الملاح، والذين جرى الإجهاض على دكاكينهم، التي شيدت مكانها حديقة، تنعدم فيها مواصفات الحديقة العمومية. وكان التعامل مع الحي البرتغالي، يجري على أساس أنه سجنا مغلقا (كيطو)، أو منطقة معزولة، في ظل التفرج بسلبية على سقوط جزء مهم من بنايته. ولم يفكر أحد من قبل في فتح الفضاءات الداخلية والخارجية لـ"الملاح"، وتوظيفها في احتضان أنشطة ثقافية، وتربوية، وسياحية، وترفيهية هادفة.
إضفاء جمالية على الجديدة
بعد أن يزول القناع نهائيا على "الملاح"، سيسترجع الحي البرتغالي جماليته، التي ستضيف جمالا ورونقا على عاصمة دكالة، التي افتقرت لعقود طويلة، إلى متنفسات، وفضاءات خضراء، وحدائق في مستوى التطلعات، وليس أشباه حدائق، عبارة عن مطارح للنفايات، ومرتعا للمنحرفين، وأرضا خصبة لممارسات وسلوكات لاأخلاقية، على غرار ما كان يحدث في فضاء الأرض "المتوحشة"، المحاذية لميناء الصيد البحر، التي جرى، أخيرا، فتحها في وجه العموم.
حيث تنفس، أخيرا، سكان الجديدة وزوارها الصعداء، بعد أن ضاقت بهم عاصمة دكالة، التي كانت تفتقر إلى ساحة عمومية بمركز المدينة، وضاقت بهم شوارعها وأزقتها، التي باتت عبارة عن أسواق قروية، أصبح "الفراشة" يكتسحون أرضيتها ليل نهار، وما يواكب ذلك من احتلال صارخ للملك العمومي، وللأرصفة، وللشوارع (شارع بوشريط، وشارع الحنصالي، وساحة "البرانس"...)، ما أضحى يعرقل حركات السير والجولان، وأصبح المرور عبر هذه الشوارع، عصيا حتى على الدراجات النارية والهوائية، في ظل الحياد السلبي للسلطة المحلية، التي تفضل الوقوف في وضعية المتفرج.
من جهة أخرى، يرى المتتبعون للشأن المحلي، من جهة أخرى، أن وجود مطعم–حانة بمحاذاة الساحة العمومية، بميناء الصيد البحري، يتعارض وطبيعة وقدسية هذا المكان العمومي، الذي ستتردد عليها أسر محترمة.
مدينة في ركاب الجمود
عاصمة دكالة مؤهلة لأن تصبح ثاني قطب اقتصادي، بعد العاصمة الاقتصادية الدارالبيضاء، بفضل مؤهلاتها الصناعية والفلاحية والسياحية والبشرية. إذ عرفت، منذ ثمانينيات القرن الماضي، قفزة نوعية متسارعة، سيما بعد إحداث ميناء الجرف الأصفر، وأضخم منطقة صناعية به، وخلق بنيات سياحية عملاقة بحجم الكولف والمحطة السياحية مزغان، وخطين مزدوجين للسكة الحديدية، وطريق سيار، جعل من الجديدة إحدى "أحياء" الدارالبيضاء، لا تبعد عنها إلا بحوالي 45 دقيقة.
غير أن ذلك لم يجعل عاصمة دكالة، التي عرفت توسعا معماريا أخطبوطيا، تحظى بالمكانة التي تليق بها، في ظل ضعف أداء القائمين على الشأن المحلي، فالفضاءات الخضراء والحدائق العمومية، على قلتها، ومحدودية مساحاتها (15 هكتار)، علما أن بعضها اختفى بفعل زحف العمران، واكتساح الإسمنت، الذي أتى على الأخضر واليابس، تعاني ضعف الصيانة، ولا تحظى بتصور، يجعلها تلعب دورا في التنمية.
ناهيك عن انتشار النفايات، وغياب القمامات في الأماكن العمومية والشارع العام، والغياب التام للمراحيض العمومية، وندرة مواقف السيارات، وضعف الشبكة الطرقية غير المؤهلة، ما يزيد من تأزم الوضع بالجديدة، التي يصنفها البعض وجهة سياحية بامتياز، فحتى السياح الأجانب الذين يحطون الرحال بمحطة "مزاغان بيتش"، والكولف، نادرا ما يتوافدون على عاصمة دكالة، لغياب المؤهلات السياحية والترفيهية.
تجدر الإشارة إلى أن الوضع يتأزم بالجديدة، بحلول الصيف، حيث يتضاعف تعداد سكانها بأربع مرات، لتقفز، حسب مصدر مسؤول، من 156 ألف نسمة، إلى حوالي 600 ألف نسمة.