أسدل الستار ليلة أول أمس الأحد بآسفي على فعاليات المهرجان الوطني لفن العيطة في دورته 12، بسهرة فنية أحياها محمد المحفوظي وكمال العبدي وخالد بناني.
تجاوب الحضور مع خالد بناني، الذي قدم وصلات غنائية من صميم الوجدان الفني المغربي، وتميز أداؤه بتنويع الأنماط الموسيقية، إذ يجمع بين الفن الشعبي والكلاسيكي والطربي والإنشاد الديني الصوفي.
وألهب كمال العبدي حماس الجماهير المسفيوية الحاضرة بساحة مولاي يوسف، إذ ردد معه الجمهور الذي حج من مختلف أحياء ومناطق مدينة آسفي، أغانيه المشهورة في حفل بهيج امتد على مدى ساعة، حيث استمتع الجمهور العريض الذي قدر بأزيد من 150 ألف متفرج بأفضل أغاني الفنان كمال العبدي المشهورة.
وحظي الفنان الشعبي ابن آسفي محمد المحفوظي بأكبر حيز زمني في هذه السهرة تلبية لطلب الجمهور٬ الذي كانت غالبيته من الشباب٬ الذين حولوا ساحة مولاي يوسف إلى حلبة للرقص العفوي، حيث تجسدت أقوى لحظات الانسجام بينه وبين الجمهور، الذي كان يردد كل كلمات الأغاني التي قدمها المحفوظي في السهرة.
وبإسدال الستار على المهرجان، تكون الدورة 12 من المهرجان الوطني لفن العيطة، حسب المنظمين حققت أهدافها المتمثلة في خلق فرجة متنوعة وتقريب السكان والزوار من الموروث الشعبي.
وحسب المندوب الجهوي للثقافة، فإن المهرجان ساهم في التعريف بالمدينة والتعرف عليها والمساهمة في إنعاش السياحة بها، وتوسيع دائرة التنشيط وخلق ديناميكية اجتماعية وثقافية واقتصادية والمساهمة في إشعاع وإبراز غنى الموروث الثقافي لمنطقة عبدة ودكالة وآسفي على الخصوص.
من جانبه، أكد حسن نجمي، الشاعر والباحث في الثقافة الشعبية المغربية، أن المهرجان الغنائي لفن العيطة٬ الذي احتضنته مدينة آسفي من 20 يونيو إلى 23 يونيو، يعكس ما تختزنه جهة دكالة عبدة من رصيد ثقافي شفوي يعيد ارتباط سكان هذه الجهة بثقافتها وهويتها الاجتماعية الضاربة في التاريخ.
وأوضح أن انتظام المهرجان لـ12 دورة، لم يكن ممكنا لولا توفر الجهة على هذا الرصيد الثقافي الشعبي والحضاري، الذي منحها دعما حقيقيا، وتتجلى مظاهر هذا الرمز، حسب نجمي، في عدة تعبيرات ثقافية واجتماعية، سواء تعلق الأمر بالغناء أو الموسيقى، أو فن الطبخ أوالفروسية أوالصيد بالصقور، فضلا عن توفر الجهة وبشكل خاص إقليم آسفي على تراث معماري غني ومتنوع، تنضاف إليه الصناعات والمهن المحلية٬ على رأسها الخزف ومهن البحر والزراعات المختلفة.
وأبرز أنه ليس مصادفة أن عددا من الممارسين لفن العيطة المنظمين في إطار أزيد من 20 فرقة غنائية متكاملة من بنات وأبناء الجهة ينتسبون إلى مستويات اجتماعية مختلفة بما فيها من عائلات أرستقراطية وإقطاعية، ما يدل على أن ممارسة هذا التعبير الثقافي ليس نابعا من دافع سد الحاجة أو الارتزاق، لذلك فمهرجان العيطة بآسفي جاء ليجيب عن حاجة ثقافية واجتماعية جوهرية وحقيقية وليس مجرد مناسبة موسمية، كما تشهد دورات المهرجان سنة بعد أخرى تحقيق أبعاد اقتصادية وسياحية وتحريك الصناعات المرتبطة به من سياحة وخلق مهن موازية، بالإضافة إلى حضور البعد الفكري للمهرجان بعقد ندوات حول مواضيع مرتبطة بفن العيطة وبفضاءاته التاريخية والاجتماعية والثقافية.
وفي تصريح خص به "المغربية" في الليلة الأخيرة من المهرجان، حول التحديات التنظيمية، أكد مدير وكالة "سكوب كوم" المكلفة بتنظيم المهرجان، نجيب الغيتومي، أن المهرجان الوطني لفن العيطة حظي هذه السنة ولأول مرة بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ما سيعطي للمنظمين دفعة قوية وحماسا لجعل الدورة الثانية عشرة أكبر من سابقاتها من جميع النواحي، سواء التنظيمية أو الأمنية أو من حيث العدد المتميز من الفنانين الذين أثثوا خشبة ساحة المهرجان، والذين نالوا إعجاب الجماهير الغفيرة، التي حجت منذ الساعات الأولى للمهرجان، سواء من إقليم آسفي أو من أقاليم أخرى مجاورة، وحتى من خارج الوطن.
من جهته، اعتبر محمد الخراز مدير المهرجان الوطني لفن العيطة بآسفي، أن المهرجان في دورته 12 حقق الأهداف المرجوة منه، من خلال استقطابه أعدادا كبيرة من الجماهير، التي توافدت على ساحة السهرات، منذ اليوم الأول ما فاق التوقعات، وهذا يبرز نجاح المنظمين في تلبية جميع الأذواق.
والجديد هذه السنة، يقول الخراز "هو الإقبال الكثيف على ندوات دار السلطان، التي تنشطها مجموعة من الفرق الغنائية التقليدية، إذ حضرت هذه السنة مجموعة حمادة بوشان وفرقة الهوير، والتقى جمهور فضاء الباهية بدار السلطان مع الباحثين حسن نجمي، وسالم الكويندي، وتفاعل الجمهور مع فرقة أولاد بنعكيدة، التي تعتبر من أكثر المجموعات الغنائية ارتباطا بالباحثين والمثقفين والتجارب الجديدة".
ورغم أن الدورة حققت الأهداف المرجوة منها، يضيف الخراز "إلا أننا كمنظمين نسعى دائما إلى تطوير المهرجان". وفي رده على المطالبين بمضاعفة ليالي المهرجان لتمتد إلى أسبوع كامل، أجاب محمد الخراز أن ليالي المهرجان كانت من قبل ثلاثة ومع انخراط الولاية والمجالس المنتخبة والمؤسسات المساهمة في تمويل المهرجان أصبحت ليالي المهرجان أربعة، فكل ما انخرط الشركاء أكثر أمكن حينذاك مضاعفة أيام المهرجان.
وشدد الخراز على أن المهرجان ليس نشاطا ثقافيا عابرا، بل هو حدث فني له تأثير على المجال الاقتصادي والاجتماعي بالمدينة، وبالتالي فإن انخراط المؤسسات في دعم المهرجان واجب وطني في الحفاظ على تراث وطني يعد جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا الغنية والضاربة في القدم.
عاش جمهور مدينة آسفي، مساء يوم الجمعة الماضي، لحظات ممتعة مع ثاني السهرات الفنية المبرمجة ضمن المهرجان الوطني لفن العيطة في نسخته 12، التي اختتمت فعالياتها أول أمس الأحد.
وأحيت هذه الليلة الفنية مجموعات غنائية تشتغل في مجال فن العيطة في محاولة منها للمساهمة في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي، والعمل على إبداع نمط غنائي جديد لأساتذة المعهد الموسيقي مع شيوخ العيطة في عمل بعنوان "العيطة في رحاب الموسيقى العربية"، وهو العمل الذي أثار إعجاب جمهور فن العيطة بآسفي.
وتتمثل تجديد فن العيطة، في إمكانية المزج بين آلتي القانون والوتار عند عزف قصائد العيطة، باعتبارها موروثا شعبيا وسجلا خاصا للوقائع والأحداث، ساهم في إبرازه شيوخ هذا الفن.
وفي هذا الإطار، أكد جمال الزرهوني أنه يسعى رفقة الأستاذ عبد الحق الوردي إلى تطوير العيطة، خصوصا في عمقها الدلالي والبحث عن أساليب جديدة من ناحية العزف ومن ناحية تناول العيوط.
من جهته، ر حب الفنان عبد الحق الوردي بهذا المزج، الذي سيشكل إضافة نوعية للمهرجان، موضحا أن العيطة من الناحية الموسيقية أكثر تقاطعا مع الموسيقى العربية مقارنة مع الألوان الموسيقية المغربية الأخرى، خصوصا في استعمال المقامات العربية كمقام البياتي وفروعه كمقام الصبا والحجاز ومقامات أخرى، أساسية كمقام العجم.
أما من الناحية الإيقاعية فالإيقاعات المتداولة في فن العيطة منها المركب كإيقاع 6/8 و12/8 ومنها البسيط 2/4 و4/.4، أما في ما يخص الآلات فهناك ارتباط وثيق بالآلات العربية، الإيقاع: (الدربوكة، والبندير، والطعريجة المغربية التي تشبه إلى حد كبير بعض الآلات الموجودة باليمن والعراق شكلا ومادة)، الآلات الوترية (لوتار)، الذي يعتبر عودا تقليديا حافظ على أصالته له وجه من الجلد ويشبه آلة القانون العربية في استعمال الجلد كمادة لاستخراج الصوت، والكمان والعود يستعملان أيضا، كآلتين رئيسيتين في الموسيقى العربية وفي فن العيطة.
ولأن العيطة لها بنية موسيقية وإيقاعية عربية أصيلة يمكنه أن تستعمل جميع الآلات الموسيقية القادرة على إخراج أصوات بأبعاد عربية، ثلاث الأرباع، بشكل مدروس وعلمي وأن تستفيد من جميع التقنيات الموسيقية، حتى يكون هذا التوظيف قيمة مضافة لفن متجذر في الموسيقى المغربية.
ومما لا شك فيه، حسب عبد الحق الوردي، فإن مهرجان العيطة المنظم من طرف وزارة الثقافة ساهم في إحياء هذا الموروث الثقافي وإعادة الاعتبار إلى شيخاته وشيوخه، الذين يبذلون مجهودات جبارة في المحافظة عليه، والبحث عن الخلف حفاظا على جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية خصوصا، والذاكرة الجماعية عموما.
واستمتع جمهور مدينة آسفي، بباقات غنائية متميزة قدمت في قالب جديد استطاعت كسب ثقة ورضى الجمهور، الذي تجاوب مع فقراتها، وتواصلت فقرات المهرجان بعد ذلك بفقرة فنية أحياها مع المجموعة الفنان عبد الدايم ولد عبدة، الذي استطاع بفضل أدائه في تنويع الأشكال الموسيقية، إرضاء جميع الأذواق لجمهور أقبل بكثافة إلى ساحة مولاي يوسف التي امتلأت عن آخرها.