تمتد على مساحة 40 هكتارا وتندثر خصائصها الأثرية بفعل الإهمال والعبث

قصبة المهدية.. معلمة صامدة في وجه الزمن

الثلاثاء 19 مارس 2013 - 14:35

في قصبة المهدية الواقعة على الضفة اليسرى لمصب نهر سبو، والممتدة على مساحة تناهز 40 كيلومترا، قصص وأحداث متوارية خلف الأشجار الكثيفة التي تكتسح فضاءها وتخفي بعض معالمها التاريخية، وتقبر العديد من بقاياها الأثرية.

صمود القصبة في وجه الزمن رغم الإهمال الذي يجعل منها عرضة للاندثار، قاد "المغربية" إلى زيارتها برفقة محب وأغربي، باحثين أثريين لاكتشاف عوالم هذه القصبة التي تحتفظ بسورها الدفاعي، وأبوابها الرئيسية وبرجين ودار المخزن ودار القايد.

أما في أوراق التاريخ فترد معلومات تعكس دورها آنذاك في الحماية والحصانة من العدو، وهو ما يدفع بالباحثين الأثريين اليوم إلى بذل كل الإمكانيات المتاحة قصد إحياء هذه المعلمة، حتى تحتفظ بوجودها بمنطقة الغرب، وتجدد أدوارها بشكل يحولها إلى فضاء ينهل من التاريخ العريق، ويحتضن الأنشطة الثقافية والاجتماعية والسياحية وغيرها للتاريخ الراهن.

بفعل الإهمال والتجاهل، تعيش "قصبة المهدية" اندثارا تدريجيا يسرع من وتيرته عبث بعض المتسكعين الذين يدخلونها من منافذ متفرقة، للرسم والخط في جدرانها اعتباطا، بعد أن تكبد الباحثون الأثريون والمختصون في التاريخ جهدا لترميم أجزاء منها، فالقصبة تستمد صمودها من طبيعة بنائها الصلب والمتين، لكن ذلك لا يكفي في نظر الباحثين الأثريين، وعيا بأن عوامل الزمن قد تذهب بها نهائيا، لتبقى مجرد شاهد أثري على أوراق كتب التاريخ.

بعدما كانت قصبة المهدية تحصن الكائنين بها من هجمات العدو في أزمنة مختلفة، أصبحت اليوم محصنة بأشجار كثيفة لا توفر الأمن والسلامة لزوارها، فرغم وجود حارس بها منذ حوالي 14 سنة، إلا أن الخطر يحدق بكل من يرتادها، بفضل أولئك المتسكعين الذين يجوبونها ويترامون على معالمها محدثين خرابا تعمقه عوامل الزمن.

السير في عمق "قصبة المهدية" يقتضي أول الأمر مرافقة باحثين أثريين لفهم خصائصها المعمارية الموثقة لأحداث تاريخية، كما تحتاج الزيارة إلى رفقة حارسها الذي يؤمن بعضا من السلامة، على الأقل باعتباره فردا معروفا بالمنطقة قد يتحفظ بوجوده المتسكعون عن التعرض لسبيل الزوار.

بعد فتح بوابة "قصبة المهدية" من قبل حارسها عبد الرحمان المهيدي، دخلتها "المغربية" بمعية عبد الرحيم محب ورشيد أغربي، باحثين في علم الآثار، تقودهما الغيرة على المعالم الأثرية المعرضة للاندثار إلى التطوع في كثير من المناسبات للتعريف بأهميتها ومن ثمة الدعوة لإنقاذها من الخراب الكلي.

ومجرد التقدم قليلا وسط القصبة، بدا فضاؤها أشبه بغابة متشعبة الأشجار والنباتات، تتعذر معها رؤية المعالم على نحو شامل، إنه "الإهمال"، حولها إلى مرتع تكتسحه الطفيليات والنفايات، لتتهاوي بين الفينة والأخرى أجزاء من جدرانها، شكلت مرافق مختلفة وسط القصبة.

أما تلك التي تمكن الباحثون الأثريون من ترميمها فلم تسلم من تطاول العابثين ليخطوا عليها رسومات وحروفا، تنم عن طيش فعلي، وجهل ضمني لأهمية القصبة.

إن النظرة التاريخية المتوارثة لـ"قصبة المهدية"، قد تكون محدودة لدى البعض، لكنه بفضل شروحات الباحثين محب وأغربي، للكرونولوجية التاريخية للقصبة، مع تنقلهما في كل الأرجاء قصد تبيان مقوماتها المعمارية وما كانت تمثله في تلك الحقب، جعل النظرة تتوسع على نطاق أوضح، خاصة أن القصبة تمتلك، رغم كل شيء، العديد من الخصائص المعمارية، ستعزز دلالتها باستخراج البقايا الأثرية المقبورة تحت السطح، في حالة التنقيب عنها، حتى يستطيع الباحثون الأثريون والمهتمون بالتاريخ استكمال ما تداولته الروايات الشفوية، ووثقته الكتب التاريخية.

جولة بين التاريخ والواقع

التجول في أرجاء ومناحي القصبة يكون شيقا بالاستمتاع إلى معلومات يسترسلها عبد الرحيم محب، باحث آثار، ومحافظ، بمحافظة بناصا تاموسيدا، (المديرية الجهوية للثقافة بالغرب شراردة، بني حسن، القنيطرة)، وكأن تلك الحقب تتمثل في صور ومشاهد ذهنية، ترصدها بالموازاة معالم القصبة، المتجلية في سورها الدفاعي المنيع، وأبوابها الرئيسية وهما الباب الجديد وباب العين، ثم البرجين الرئيسيين، من أهمهما البرج الموجود في الزاوية الشمالية الغربية.

وكذا دار المخزن، التي شيدت في عهد السلطان مولاي إسماعيل، المتضمنة لساحة واسعة محاطة بعدة قاعات ومخازن، إلى جانب دار القايد المتوفرة على غرف وساحات وقاعات للإيواء، وفق ما استعرضه محب بأسلوب يكشف عن معرفة عميقة بمكونات القصبة رغم تواري بعضها عن الرؤية.

فالقصبة كما ذكر محب، تشكل موقعا أثريا مهما بمنطقة الغرب، ويخلد لماض غني بالوقائع، بعد أن شكل مسرحا لمجموعة أحداث تاريخية، كما تحتل القصبة موقعا استراتيجيا، بحكم قربه من المحيط الأطلسي وإشرافه على مصب نهر صبو، إلى جانب وجوده بجوار المحمية الطبيعية لـ"سيدي بوغابة".

كما أن القصبة التي توجد على بعد 8 كيلومترات غرب القنيطرة، و34 كيلومترا شمال الرباط، تشكل اليوم موقعا متوفرا على خصائص سياحية مهمة، في حالة ترميمها وإصلاحها ثم استثمارها، حسب ما أكده محب خلال كشفه عن معالم القصبة والمساحة الشاسعة التي تحتلها، بنبرة تضمر تطلعا كبيرا إلى بعث الحياة فيها من جديد.

هكذا كان محب يتابع شروحاته، وهو يلامس بعض الجدران لرصد تهالكها، ثم يحدق في الأعلى، لكشف أن بعض أسقف القصبة تهاوت وبعضها معرض للمصير نفسه في أي لحظة.

وفي خضم المعلومات التي استعرضها لـ"المغربية"، ذكر محب، حسب ما تتناقله الكتب التاريخية، أن لـ"قصبة المهدية" تاريخا عريقا، غير أن هناك معلومات ضعيفة عن تاريخ القصبة خلال الفترة الماقبل إسلامية.

ويعتقد بعض المؤرخين بأنه من المحتمل أن يكون المركز الفنيقي الحامل لاسم"تيمياتريون" قد شيد الموقع نفسه، خلال القرن الخامس ق.م. وقد استبدل اسم "تيمياتريون" أثناء فترة الاحتلال الروماني باسم " سوبور".

وحوالي منتصف القرن 12م، أشار الجغرافي المغربي الإدريسي إلى وجود مدينة عند مصب وادي سبو يطلق عليها اسم المعمورة، ويرجع المؤرخ الزياني تاريخ تأسيس مدينة المهدية إلى فترة حكم أمراء بني يفرن لأجزاء مهمة من المنطقة خلال القرن العاشر الميلادي.

وتحدث الحسن الوزان في كتابه "وصف إفريقيا" عن مدينة صغيرة تسمى المعمورة شيدها الموحدون عند مصب نهر سبو، توفرت هذه المدينة خلال عهد عبد المومن بن علي الموحدي- القرن 12م، على دار لصناعة السفن.

من جهة أخرى، عرفت المدينة، خلال العصر الموحدي، ازدهارا تجاريا غير أنها عاشت مرحلة من التدهور خلال العهد المريني وبشكل خاص بعد الحرب الأهلية التي وقعت في عهد السلطان أبي سعيد عثمان.

في سنة 1515م، استولى البرتغاليون على المعمورة، وأسسوا بها حصنا أطلقوا عليه اسم "San Jao da Mamora" غير أن احتلالهم لها لم يدم طويلا، إذ تمكن المغاربة من تحريرها.

أما في سنـة 1614م، استـولى الإسبـان على الموقـع وأطلقوا عليـه اسـم « san Miguel de Ultramar » ، وفي عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل، جرى تحرير المدينة سنة 1681م، وأطلق عليها اسم "المهدية" .

معالم تشهد للماضي

تحتفظ "قصبة المهدية" بمعظم معالمها حتى تلك المتهالكة بنيانها، فتماشيا مع الجولة العريضة لـ"المغربية" برفقة محب وأغربي في كل فضاءاتها، تبين أن بعض المرافق مازالت قائمة، غير أنه من الصعب معرفة ميزاتها ومسمياتها وأدوارها لولا وجود الباحثين وتفسيرهما لكل ذلك.

واتضح أن القصبة تتوفر على السور وهو يشكل الجزء الدفاعي الخارجي للقصبة وتعزز دوره الدفاعي بحفر خنادق محادية لواجهته الخارجية، كما هناك أبواب، ويهم بابين رئيسيين للقصبة، أحدهما متواضع وصغير الحجم، يطلق عليه اسم "باب العين"، من المحتمل أن يكون شيد خلال فترة الاحتلال الإسباني.

ويقع هذا الباب بالجهة الغربية، أما الباب الثاني، فهو أكبر حجما ويشبه في شكله المعماري أبواب العهد الموحدي، ويحمل اسم "الباب الجديد"، وشيد أواخر القرن 17م، في الجهة الشرقية للقصبة.

في حين تعززت أسوار القصبة ببرجين رئيسين، يقع أكبرهما عند الزاوية الشمالية- الغربية، ومن المحتمل أن يكون شيد من طرف الإسبان، قبل أن يدخل عليه المغاربة، بعد تحرير الموقع، بعض التعديلات والتحسينات، أما "دار المخزن"، أو "دار الحاكم"، فجرى تأسيسها في عهد السلطان المولى إسماعيل، لجعلها مقرا لقائد جيش الموقع علي الريفي.

وهي تقع وسط القصبة في موضع يجعلها تشرف على البنايات الدفاعية المحادية لنهر سبو، وتشبه في تصميمها المعماري الدار المغربية التقليدية، بالإضافة إلى الغرف المخصصة للسكن تتوفر الدار على مخازن للمؤن والأسلحة وبجانبها يوجد رياض.

كما هناك دار القايد وهو عبارة عن مبنى مخصص لإقامة القايد، ويشتمل على غرف ومخازن وساحات صغيرة، دون أن يغفل محب التذكير بالمدرسة والمسجد والحمام، والفندق، بالإضافة إلى برج دائري مشرف على مصب نهر سبو.

وحسب ما هو معروف عن القصبة، فإن محب أفاد "المغربية" أثناء عرضه للمعلومات التاريخية، أن كل المعالم الظاهرة حاليا داخل القصبة وخارج السور، تعود إلى العهد الإسباني (ابتداء من 1614) والفترة العلوية الإسماعيلية (ابتداء من 1681)، مشيرا إلى أنه إلى حدود الاستعمار الفرنسي، كانت القصبة تعرف استقرار السكان المحليين داخلها.

أما الآن فإن "هذه القصبة" المشرفة على نهر سبو، تذكر بسجل أحداث ووقائع متباينة، باختلاف الحقب الزمنية، كما تعكس أن ماضيها العريق المتمثل اليوم في بنيانها ومعالمها الصامدة، مهمل ومنسي بعد أن طبعت على منظرها وسمة قبح همشت استحضار أمجادها لعامة الناس.

هكذا كان يعبر محب وأغربي عن أسفهما لواقع حال القصبة، ليغادراها برفقة "المغربية" بتطلع يرنو إلى خلق نهضة وبعثة جديدتين لهذه المعلمة، بعد محاولات بسيطة في الترميم لا توازي أهميتها وحاجياتها، حتى تكون"قصبة" يطابق اسمها، خاصياتها ودلالاتها وأبعادها التاريخية والمعمارية، ولها من الاهتمام والإشعاع ما يرصد حقيقة السجلات والكتب والروايات التاريخية المتوارثة عنها.

قصبة المهدية تصلح لتوظيفها قطبا سياحيا وثقافيا

بعدما رافق عبد الرحيم محب، باحث آثار، ومحافظ، بمحافظة بناصا تاموسيدا،(المديرية الجهوية للثقافة بالغرب شراردة، بني حسن، القنيطرة)، بمعية رشيد أغربي، باحث في علم الآثار، "المغربية" في جولتها بربوع "قصبة المهدية"، لمعرفة عن كثب، طبيعة هذه المعلمة، ذكر أن جهة الغرب شكلت بحكم موقعها، بين شمال المغرب وجنوبه، وكذا مؤهلاتها الطبيعية الكبرى محطة عبور واستقرار بالنسبة للعديد من الحضارات عبر حقب مختلفة من التاريخ.

وهكذا فهي تزخر بالعديد من المواقع و المعالم الأثرية التي تشهد على الماضي الزاهر للمنطقة، ما يستدعي معرفة هذا التراث أولا، ورد الاعتبار إليه ثانيا، ثم توظيفه اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا بهدف تنمية مستدامة لهذه الجهة، كما لعبت منطقة الغرب خلال العصر الإسلامي، دورا بارزا كحلقة وصل بين شمال المغرب وجنوبه وبين المغرب والأندلس ابتداء من العصر المرابطي.

وأكد محب أن أبرز المواقع الإسلامية بالمنطقة، قصبة المهدية، التي تحتاج من أجل الحفاظ عليها كتراث الجهة، إنجاز دارسة أركيولوجية ومعمارية للقصبة (ما انطلق تحت إشراف وزارة الثقافة)، وتنظيف وإزالة ومحاربة الأعشاب الطفيلية التي تعانيها القصبة، وإجراء ترميم شامل للأسوار وجميع معالم القصبة.

واقترح محب توظيف هذه المعلمة لتصبح قطبا سياحيا وثقافيا مميزا بالجهة، عبر إحداث محافظة بالقصبة (جهاز يهتم بتسيير الموقع)، وإنجاز مسالك للزيارة، وكذا توظيف بعض المعالم ( مثل دار المخزن، ودار القايد، والحصن الشمالي الغربي، والمدخل الرئيسي،...) لاحتضان متحف، ورواق للمعارض، وفضاء للأنشطة والأوراش التراثية، دون إغفال وضع لوحات على جنبات الطرقات المؤدية إلى الموقع.

وفي السياق ذاته، أفاد محب، أنه رغم المؤهلات الطبيعية والتراثية التي تنفرد بها الجهة والتي تصنفها ضمن أهم وأغنى جهات المملكة، تاريخيا وطبيعيا، إلا أنها تظل في حاجة ماسة إلى تدابير أساسية ومبادرات جادة لإبراز هذه المؤهلات وتحسيس الفاعلين المحليين خاصة المستثمرين المغاربة والأجانب، بأهمية الحفاظ على هذا التراث وضرورة توظيفه في التنمية المستدامة للجهة عبر تشجيع السياحة الثقافية والمراهنة عليها من أجل تحقيق إقلاع اقتصادي للجهة.

وأضاف أنه من الملائم انفتاح الاستثمار على تراث الجهة وتوظيف الخصوصية الجهوية في المجالين الطبيعي والثقافي، من أجل خلق مشاريع استثمارية تتلاءم مع طابع تراب للجهة، بتشجيع السياحة الثقافية، خصوصا القروية منها.

من جهة أخرى، ذكر أنه من المفيد جدا إدخال مواقع الجهة، في إطار مدار سياحي عام، وتوظيف التراث الإثنوغرافي للمنطقة لاستقطاب السياح من داخل وخارج المغرب، وتعزيز البنيات التحتية للقطاع السياحي بالجهة (بناء دور الضيافة، الفنادق، المطاعم..)، مشيرا إلى أهمية انخراط الجميع وتعبئة جهود المواطنين، مهاجرين وغير مهاجرين في تدبير الشأن الثقافي والتراثي بجهة الغرب، وتشجيع السياحة الثقافية، بإدماج التراث الطبيعي والتراثي في المشاريع الاستثمارية الكبرى للجهة.

وأكد محب أنه جرى ترتيب الموقع الأثري لقصبـة المهديـة بظهيـر 26 ربيع الثانـي 1334 (الجريدة الرسمية رقم 176 في 6 مارس 1916 .ص269)، مشيرا إلى الجهات المقترحة لإنقاذ القصبة من الاندثار والتلاشي، وتتمثل في المجلس الجهوي للقنيطرة، ومديرية التجهيز للقنيطرة، وبلدية المهدية، القنيطرة، والوكالة الحضرية للقنطيرة، والمديرية الجهوية للثقافة، القنيطرة، وجمعية وأصدقاء تراث الغرب، ومؤسسة العمران.

ترميم دار المخزن وطموح العناية بباقي مكونات القصبة

ذكر رشيد اغربي، وعبد الرحيم محب، باحثان في علم الآثار، لـ"المغربية" أنه خلال موسم 2010-2011 أعطيت الانطلاقة لمشروع ترميم معلمة دار المخزن بقصبة المهدية، بإشراف جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، إذ حظيت الجمعية من طرف صندوق السفراء الأمريكي بما قدره 100.000 دولار أمريكي ومساهمة وزارة الثقافة (مديرية التراث الثقافي) بميزانية قدرها 200.000 درهم.

وقال محب وأغربي، إن دار المخزن تعد من أهم المعالم التاريخية لقصبة المهدية (إقليم القنيطرة).

بنيت هذه المعلمة خلال القرن 17 الميلادي على عهد السلطان العلوي مولاي إسماعيل كإقامة سكنية لعامله على المنطقة علي الريفي، وشيدت طبقا لتصميم الدور المغربية التقليدية، بحيث تنتظم الغرف حول صحن أوسط كبير، وتؤدي ممرات عدة إلى أجنحة وبنايات أخرى مخصصة للسكن وللمخازن وللحمام ولصهريج ماء ولبئر وحدائق صغيرة. وتعلو المستوى الأرضي للقصر بنايات تتكون من طابق واحد ومن طابقين في بعض الحالات.

واعتبارا لحالة الإهمال والخراب التي شملت قصبة المهدية وما تستلزمه من إمكانات مادية مهمة، وقع الاختيار على بناية دار المخزن لإقامة مشروع نموذجي، وهكذا جرى إنجاز عدة أشغال كان الغرض منها وقف التصدع، الذي تعرفه البناية وحمايتها ورد الاعتبار إليها وكذا تحسيس الفاعلين المحليين من سلطات ومنتخبين وجمعيات المجتمع المدني بأهمية هذا التراث الثقافي الوطني وضرورة إنقاذه.

وفي السياق ذاته، أنجزت هذه الدراسات من طرف فريق علمي مكون من أربعة باحثين أثريين أعضاء بالجمعية، بمساعدة مفتش للمباني التاريخية والمواقع، وهمت هذه الدراسة ثلاثة محاور أساسية هي، دراسة تاريخية ومعمارية للمعلمة، وتشخيص حالة البناية، ودراسة تقنية للمعلمة وإنجاز دفتر للتحملات يتضمن وصفا للأشغال المرتقب إنجازها وتقديراتها المالية، إضافة إلى التصاميم الضرورية.

وحسب ما ذكره محب وأغربي، فإنه قبل انطلاق أعمال الترميم كان من اللازم إجراء تحريات واستبارات أركيولوجية، الغرض منها التأكد من وجود أو عدم وجود بنيات أثرية تحت أرضية المعلمة، وهمت العملية الصحن الأوسط للقصر والغرف المحيطة به والممرات المؤدية إليها.

ومكنت هذه الأبحاث من الكشف عن بقايا أرضية القصر المصنوعة من الزليج ومن التعرف على نوع هذا الأخير وألوانه وتشكيلاته الهندسية، ما ساهم إلى حد كبير في عملية الترميم طبقا للنموذج الأصلي، كما همت عملية الترميم هذا الصحن الأوسط والغرف المحيطة به، إضافة إلى المدخل الرئيسي والممرات المؤدية إليه.

وقال محب وأغربي إن من أهم أشغال الترميم المنجزة، تقوية البناية الأصلية وطلاء الجدران، ووضع السقوف وإعادة بناء أسطح البناية، وضع شبكة للصرف تتكون من قنوات عمودية وأخرى أفقية لتجميع مياه الأمطار، انطلاقا من السطوح والأرضيات وصرفها خارج البناية، وإعادة تكسية الأرضية بواسطة الزليج بناء على نتائج الحفريات التي أجريت داخل المعلمة، ووضع أبواب خشبية جديدة للمعلمة من أجل حمايتها وتأمينها، وتجهيز المعلمة بشبكة كهربائية، في أفق إعادة توظيفها.

وبحكم حجم المشروع والإمكانات المادية المرصودة وطبيعة الأشغال المنجزة في إطاره، تعد عملية ترميم دار المخزن بقصبة المهدية الأولى من نوعها بالنسبة للجمعية، وهي عملية ناجحة بفضل تعبئة مجموعة من أعضاء الجمعية وتضافر مجهودات شركائها، يقول محب وأغربي، مؤكدين أن هذا المشروع النموذجي وإن ساهم في إنقاذ هذه المعلمة.

إلا أنه سيظل محدود الفعالية إذا لم تضمن له الاستمرارية وإذا لم تتبعه مشاريع أخرى مكملة مثل مشروع رد الاعتبار للمعلمة وإعادة توظيفها كفضاء ثقافي متعدد الاختصاصات (قاعة للعروض والأنشطة الثقافية والمحاضرات...) ومشاريع لترميم وتهيئة باقي معالم القصبة ومحيطها خاصة الأسوار والأبواب.




تابعونا على فيسبوك