عمالقة الفن المغربي يسقطون تباعا

بعد مجد ومضياف بن ابراهيم يودعنا في صمت

الخميس 09 ماي 2013 - 15:20
الفنان المغربي الراحل محمد بن ابراهيم

لم تمر أشهر قليلة على رحيل عملاق الشاشة المغربية محمد مجد، والفنان القدير حسن مضياف، حتى التحق بهما الفنان المتميز محمد بن ابراهيم، الذي غيبه الموت بعد معاناة مع مرض السكري، إذ توفي، صباح أمس الأربعاء، الفنان الكوميدي بإحدى المصحات.

ووري جثمانه الثرى في البئر الجديد حيث تسكن أسرته. وخلف رحيل هذا الفنان القدير حزنا كبيرا في نفوس أسرته الصغيرة والفنية. وسيظل الراحل حاضرا في ذاكرة الجمهور المغربي، رغم رحيله، فهو صاحب العطاءات الفنية الكثيرة، والمشاركات المتميزة، أبرزها، فيلم "فيها الملح والسكر ومبغاتش تموت"، و"ليام أليام"، و"كازا نيكرا"، وشارك أخيرا في سلسلة "حديدان"، كما جرى تكريمه في عدة مناسبات، آخرها التكريم الذي حظي به في مهرجان الفيلم الوطني بطنجة في دورته الأخيرة.

وفي تصريحات لبعض الفنانين، أجمعوا على أنه فنان متميز وإنسان خلوق وعاشق لفنه ومحب لأدواره.

وفوجئ عدد كبير من الفنانين لدى اتصال "المغربية" بهم لأنهم لم يكونوا على علم بخبر وفاته، لأن الحالة الصحية لابن ابراهيم تحسنت في الأشهر الأخيرة.

في هذا الصدد، كشف الفنان محمد الجم أن الراحل كان رمزا من رموز المسرح المغربي، ناضل وضحى من أجل الفن وبرحيل بن ابراهيم، يقول الجم "ورقة أخرى تسقط من شجرة الإبداع المغربي. بدأنا نفقد فنانين كبارا، مثل أحمد الطيب لعلج ومحمد مجد، وحسن مضياف، واليوم نودع زميلنا في الدرب، الذي ترك بصمات في مجال المسرح، والتلفزيون والسينما، هو فنان كبير خدم البلد".

وأضاف محمد الجم أنه على الفنان أن يكرم في حياته ويعنى به وهو في أوج عطائه، وتقدم له الظروف الملائمة من أجل الإبداع، مشيرا إلى أنه لم يكن له الشرف في الاشتغال مع الراحل، إلا أن احتراما متبادلا كان يجمعهما، وكانا يتمنيان أن يقدما كوميديا معا، رغم أن لكل واحد منهما لونه الخاص.

من جانبه، أكد الفنان صلاح الدين بنموسى، الذي فوجئ بدوره بخبر وفاة محمد بن ابراهيم، أنه جمعته بالراحل مرحلة الطفولة والدراسة الابتدائية، حيث درسا سويا في مدرسة محمد بن يوسف بالدارالبيضاء، موضحا أنه في مرحلة الشباب قام الراحل بهدم بيته بالدارالبيضاء ليحوله إلى قاعة للتداريب المسرحية، قائلا "كان الراحل محبا للميدان الفني، ويحترم أدواره وكان يكرر التداريب لدرجة الملل. كان حريصا على أن يقدم أدواره في حلة جميلة.

وأضاف بن موسى أن الراحل كان إنسانا محبوبا وقلبه كبير ويحب الخير للجميع، وآخر عمل فني جمع بينهما هو سلسلة "حديدان"، التي قدمت أخيرا على القناة الثانية. يقول بن موسى " البعض يعتقد أن بن ابراهيم فنان "عروبي"، لكنه في الأصل فنان شامل، يتقن أدواره بشكل متميز، هو فنان في المستوى الجيد".

من جانبها، عبرت الفنانة عائشة ماهماه عن حزنها لرحيل زميلها في الدرب وصديقها المقرب قائلة "فوجئت بخير وفاته، لأنني كنت على اتصال دائم به. كان رحمه الله أكثر من صديق فهو أخ محبوب، كنا نتبادل الزيارة باستمرار. كان صديق العائلة".

وأضافت ماهماه متحسرة على رحيله أن الكثير من الناس لم يكونوا يصدقون أنه يعاني. أظن أنه حان الوقت للاهتمام بالفنان وإنصافه ولو إنسانيا، مشيرة إلى أنه كلما تقدم السن بالفنان يصبح عالة على المجتمع، خصوصا إذا كان فقيرا.

وأكدت ماهماه أن الجميع ينسى عطاءات الفنان ومجهوداته، طيلة عقود وبمجرد أن يمرض، يرمى به في سلة المهملات، قائلة "حتى الناس الذين يشتغلون مع هذا الفنان يتنكرون لذلك ولا يسألون عنه. على الفنان أن يكرم في حياته وينصف وهو في أوج عطائه ولو معنويا".

وعبر الفنان عزيز موهوب عن أسفه لرحيل بن ابراهيم، موضحا أن الراحل كان رجلا محبوبا لدى المغاربة جميعا، موضحا أن الراحل كان رجلا متخلقا دخل الميدان الفني من بابه وليس من النافذة، وقدم أعمالا جيدة ستشهد على تألقه وعطاءاته المتميزة "فقدنا رجلا لن ينسى وفقدت الساحة المغربية فنانا لن يعوض. إنا لله وإنا إليه راجعون".

ولم يستطع الفنان محمد بلفقيه الحديث مع "المغربية" لأن دموع الفراق كانت تمنعه من الكلام، لأنه تلقى خبر وفاة صديقه من ابن الراحل لحظة وفاته. وقال "كان خويا وحبيبي وقف بجانبي في عدة ظروف قاسية. حزنت لخبر وفاته، لأنني لم أكلمه، منذ فترة ليست بالطويلة، وفاجأني خبر وفاته، لأنه كان في الأيام الأخير في حالة صحية جيدة".

الراحل: أشبعتني فرقة عبد العظيم الشناوي ضربا بسبب شغبي

كانت مرحلة الصبا أول ما خطر ببال الفنان الراحل محمد بنبراهيم، عندما أعاد شريط ذكرياته في حديثه مع "المغربية" قبل رحيله، وقال إنه ليس هناك موقف أجمل من ظروف ارتباطه بالفن، ولحظات بداية قصة العشق بينه وبين هذا العالم الساحر الأخاذ، عالم الصورة والأضواء.

لم يكن ولوج بنبراهيم الفن عاديا، بل جاء بعد حكاية طريفة جمعته بفرقة الفنان عبد العظيم الشناوي، التي كانت تتدرب على عروضها المسرحية في الحي نفسه الذي كان يقطنه محمد بنبراهيم، في فترة الستينات، وكان فناننا صبيا مشاغبا لأقصى الحدود.

كانت الملصقات الفنية والصور التي تعلقها الفرقة على جدار النادي الذي كانت تتدرب فيه، تثير شغب وجرأة بنبراهيم الطفولية آنذاك، فيهب لتمزيقها دون سبب واضح، ويضرب باب الغرفة التي تتدرب فيها الفرقة بعنف، ثم يلوذ بالفرار.

ولن ينسى بنبراهيم إحدى المرات، التي عزم فيها على تكرار شغبه المعتاد مع فرقة عبد العظيم الشناوي، ووقع في شباكها، حيث نصب أعضاء الفرقة له فخا للإيقاع به وتأديبه على أفعاله الشقية، وكان موقفا لا يحسد عليه بنبراهيم، إذ قال "أشبعتني الفرقة ضربا، وتوعدتني بالمزيد من العقاب في حال ما إذا كررت أفعال الشغب، وأجبروني على الانزواء داخل الغرفة التي يتدربون فيها إلى حين انتهائهم".

والغريب، يضيف بنبراهيم، أن حضوره لجلسة التدريب تلك وهو يبكي من فرط ألم الضرب، منحه الفرصة للتعرف على فن التمثيل، وزرعت في نفسه الرغبة والفضول للتعرف أكثر على هذا الفن الساحر بالنسبة إليه.

أشار بنبراهيم، إلى أنه لم يستطع منع نفسه من زيارة الفرقة مرة أخرى، ودفعه حماسه إلى الذهاب لطلب إذن حضور التدريبات، عوض أسلوب العنف الذي كان يتصرف به في كل مرة، وعن ذلك قال "بعد أن عبر كمال السرغيني عن غضبه مني، ظانا أنني سأعيد إزعاج الفرقة وهم بضربي، حاولت أن أفهمه أنني جاد هذه المرة، وأريد فعلا أن أراقبهم وهم يتدربون، فاستجاب أعضاء الفرقة لطلبي، وأدخلوني، وكانت تلك التداريب سبب دخولي مجال الفن، لتشاء الأقدار بعد ذلك بأن أشارك الفنان عبد العظيم الشناوي في عدة أعمال فنية".

وداعا بنبراهيم

رغم مرضه الذي طال سنوات، ظل الراحل محمد بنبراهيم يقاوم برحابة صدر وروح نكتة ودعابة، حتى في أقسى الظروف. وعندما تهتز الساحة الفنية هلعا عند إطلاق إشاعة خبر مفارقته الحياة كذبا، كان يستقبل الإشاعة بابتسامة قائلا "كلنا ليها".

لن ننسى حكاية هذا الفنان المخضرم مع الفن، وعشقه الكبير للمسرح، حيث أتحف جمهور الركح وأمتعه بشخصيات كان يجسدها، فكان عشقا متبادلا، إذ لم يبخل أبو الفنون بدوره على بنبراهيم، بمنحه جمهورا عريضا كان وفيا لأعماله، سواء المسرحية أو التلفزيونية والسينمائية أيضا.

ارتبط هذا الفنان بالميدان الفني منذ 1965، مع فرقة عبد العظيم الشناوي، ثم تنقل في عدة فرق، من بينها فرقة "الجيل الناهض" والمسرح الباسم، وفرقة البدوي، ثم فرقة التسولي.

انتقل بنبراهيم أيضا في مساره الفني من ميدان الفكاهة إلى المسرح الجاد، حيث قدم أدوارا كلاسيكية وشاعرية مثل شخصية شكسبير، وموليير وغيرهما، وكان اختياره للفن المسرحي، الذي كان مشدودا إليه بأحلامه وبجميع مشاعره.

ومثلما اكتسب جمهورا عريضا من عشاق المسرح، جذب بنبراهيم أنظار جمهور الشاشة الصغيرة بأدواره المتميزة، وشخصياته المركبة التي قدم فيها الرجل المتسلط، والأب الطاغي، في حين تألق في أداء دور البدوي في عدة أعمال، من بينها "ليام أليام".

وعلى الشاشة الكبرى، استطاع المخرج نورالدين الخماري أن يقدم لنا وجها آخر لبنبراهيم، فيه أعقد الأدوار، في شريطه "كازانيكرا".

رحم الله الراحل بنبراهيم، الذي لم يستطع مرض السكري، الذي عانى منه طويلا، إخفاء ابتسامته، رغم أنه أقعده طريح الفراش، وأثر على نظره مؤقتا.




تابعونا على فيسبوك