إن شعبا بدون ذاكرة شعب بدون تاريخ، والذاكرة الوطنية الموثقة تضمن الاستمرار للأوطان في تعاقب الأجيال، تلك الأجيال التي من حقها أن تعرف تاريخ أجدادها وروموز وطنه. رجلالات المقاومة وجيش التحرير، الذين ستشهدوا ، والذين رحلو ، والذين شاخوا بيولوجيا لهم على الج
ولد موحا وسعيد الويراري في قبيلة أيت ورا، ويعتبر قائدا مجاهدا مغمورا ومسكوتا عنه، وهو القائد المخزني الذي ظل يجسد المرحلة البطولية تجسيدا ماديا بين القصيبة وسهول الشاوية، في صراع ضد الاستعمار الفرنسي من سنة 1908 إلى سنة 1924.
وتجمع المصادر التاريخية على أن موحا وسعيد كان وديعا متواضعا، واشتهر بذكاء حاد، وحذق كبير في علاقاته مع القبائل، فضلا عن شجاعته النادرة ومهارته في التنظيم والاتصال. كل هذه الخصال جعلت آيت ورا يختارونه "أمغارا" عليهم، واستطاع، منذ بداية توليه وظيفة الأمغار، أن يؤثر بفضل حسن تدبيره على جل أفخاذ آيت ورا، ويجتذبها إلى جانبه، غير أنه اضطر إلى إعلان الحرب ضد أفخاذ أخرى، كانت تشذ عن الطاعة، وبعد سنين، كان نفوذه يمتد إلى جميع القبائل التي تكون اتحادية آيت السرى.
لما وصل موحا وسعيد إلى مستوى من النفوذ، بحث عن اعتراف المخزن بسلطته على القبائل، وكان انتقاله من تاكانت إلى القصيبة مناسبة للتقرب من المخزن، وتمكن من أن يكون مسؤولا على أمن القصيبة وما إليها. وأصبح خليفة القائد وممثلا للسلطة المحلية في قرية القصيبة. واستغل موحا وسعيد هذا المنصب لتوطيد سلطته وفرض نفوذه، من جهة، كما حاول أن يلفت أنظار المخزن إليه، وواتته الفرصة عندما وجه المخزن طابورا عسكريا إلى قائده ابن همو، لمساعدته على استتباب الأمن، لكنه تبرم من استقبال الطابور، فانتهز الفرصة موحا وسعيد، فاستقبل العساكر المخزنية بحفاوة كبيرة. وتقول الرواية الشفاهية إنه كان لا يملك إلا بقرة وثورا، فذبح الثور لإطعام جنود المخزن.
نزل الخبر بردا وسلاما على السلطان، الذي كان يبحث عن قواد قادرين على إخضاع القبائل في تلك الربوع. غير أن الذي جعل السلطان يلتفت إلى موحا وسعيد حقا، هو مساهمته في الحملة العسكرية التي أرسلها السلطان بقيادة الوزير محمد الصغير لغزو آيت سخمان سنة 1880. ورغم انهزام المحلة ونهب مخيمها من قبل قبائل آيت سخمان، فإن موحا وسعيد ثبت في موقعه، ولم يخل بواجبه، بل على العكس من ذلك استطاع، رغم الفوضى التي دبت في صفوف الجنود السلطانية، تجميع فلول الجيش المنهزم وإعادته إلى القصيبة. وهذا الأمر هو الذي أكسب موحا وسعيد مزية كبيرة عند السلطان، الذي أدرك الموهبة العسكرية التي يتصف بها، وظهر له إخلاصه وبعد غور نظره، فاغتبط به وساعده في مجهوداته الرامية إلى مواصلة الحرب ضد المنشقين، خاصة أولئك الذين لا تنالهم أحكام المخزن، ثم عينه قائدا على اتحادية آيت السري سنة 1888، وزوده بفرق من الجيش بلغ عددها 5000 جندي وأربعة مدافع، خاض بها معارك كثيرة، منها معركة وادي أعزيف ضد ايت سخمان، ومعارك أخرى ضد بعض أفخاذ آيت ويرا المناصرين لقائدهم ابن همو المخلوع، ولم ينحصر نفوذه في هذه القبائل، بل شمل أيضا آيت أم البخث، وآيت سعيد أو علي جنوب بني ملال، وبذلك أصبحت سلطته تمتد من القصيبة إلى آيت سخمان إلى الحوض الأعلى لنهر أم الربيع.
دوره في استتباب الأمن بمنطقة الدير
خوفا من أن تعود القبائل إلى العصيان من جديد، قام القائد بتأسيس قصبات في بو نوال، وناوور، وابن شرو، وغرم لعلام. وكانت أكبر هذه القصبات، قصبة سريف، المقر الرئيسي للقائد، ومن سريف، عرفت قرية القصيبة نموا مطردا، وازدهرت فيها التجارة نظرا لموقعها الجغرافي على طريق المنتجعين بين الجبل والأزغار، ونظرا لاستتباب الأمن في المناطق المجاورة، قصدها التجار من مدن مختلفة وعرف الناس سلعا متنوعة.
على الصعيد الوطني، استنهضه السلطان المولى عبد العزيز من سنة 1894 إلى 1907 لمحاربة الخارجين عليه، فلبى النداء وشارك على رأس طائفة من قبائله في إخماد الثورات التي اندلعت هنا وهناك، خاصة تلك التي قادها الجيلالي الزرهوني المكنى بـ "بوحمارة". واستمر واقفا مع المحال المخزنية في مواقفها الشديدة، حتى أذن له السلطان بالرجوع إلى بلاده.